سؤال استعادة السكينة في الدِّين
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

تكرَّر هذا الشعار في مقالاتي منذ عام 2013. وكان واحداً من ثلاثة مطالب أو شعارات، وهي: استعادة السكينة في الدِّين، وتجديد تجربة الدولة الوطنية، واستعادة العلاقات الطبيعية مع العالم. لمن كانت هذه المطالب موجَّهة؟ كانت موجَّهةً إلى كل عقلاء العرب والمسلمين، والذين خامرتهم آنذاك خشيةٌ كبيرةٌ على الدين وعلى الدولة في العالمين العربي والإسلامي. ولو فكرنا قليلاً لوجدنا أنّ الثوران باسم الإسلام هو الذي ألقى بأعبائه على أمن الدول واستقرارها، وهو الذي بأعماله الإرهابية أفسد علائقَ المسلمين بالعالم.
 كنتُ أدرّس بقسم الشرق الأوسط في جامعة هارفرد عام 1993 عندما اشتريتُ العددَ الجديدَ من مجلة «الشؤون الخارجية» الأميركية في شهر أكتوبر أو نوفمبر وقرأتُ مقالةَ صمويل هنتنغتون عن صراع الحضارات (صارت كتاباً عام 1996). وكان هدف هنتنغتون الإعلان مراراً وتكراراً عن انتصار الغرب النهائي والحضارة اليهودية المسيحية وتحوّل الصراعات السياسية والاستراتيجية إلى صراعات وتجاذبات ثقافية. كل الحضارات الحية بحسب زعمه، بما في ذلك الحضارة الصينية، ستتلاءم مع الانتصار الغربي، باستثناء الإسلام الذي يملك تخوماً دموية (!) وفي حين راح عشراتُ الدارسين الغربيين يردّون على هذه النقطة أو تلك من تصوره الهائل، انصرف المئاتُ منا للدفاع عن الإسلام تاريخاً وحاضراً. وما فكّر أحدٌ منا بأمارات الثوران والتطرف العنيف لدى فئاتٍ من الشبان باسم الإسلام، مع أن بن لادن أعلن عام 1998 عن إقامة جبهةٍ لمكافحة الغرب (!).
لقد كشفت هجماتُ العام 2001 وما سبقها وتلاها من هجمات في أوروبا عن انشقاقاتٍ عميقةٍ في الإسلام، استهدف صانعوها وأنصارُهم إسقاطَ الدولة الوطنية في العالمين العربي والإسلامي، ثم تمخّضت الأحداث عن قيام «دولة داعش» الفظيعة والأسطورية بالعراق وسوريا، ولا تزال حركات العنف في أفريقيا تستلهمها حتى اليوم!
إنّ هذا الثوران التخريبي ما اقتصر على المذابح ومزاعم إقامة الشريعة، بل تسلّق أيضاً على أكتاف ما سُمّي، في عام 2011، «الربيع العربي»، والذي عاد كثيرون منا للاغترار به إلى أن بدأ الإسلام السياسي يستولي على الحكم في عدة دولٍ عربيةٍ وإسلامية. وبذلك ثبت أنّ للثوران الانشقاقي عدة مظاهر وظواهر وتأثيرات على العامة والفئات الوسطى في المجتمعات، مثلما حدث في الحراك الإيراني عام 1979.
إنّ ما أُريدُ التوصلَ إليه أنّ الأصلَ في الأوضاع الصعبة والاضطراب في عدة دولٍ عربيةٍ هو تلك الهشاشة التي أتاحت خلال ضرب «القاعدة» و«داعش»، لدولٍ إقليمية وأطراف دولية إما استغلالَ شراذم التنظيمين الإرهابيين، أو إنشاء ميليشياتها الخاصة لتتدخل بواسطتها، مستغلةً كذلك التركيبةَ المذهبيةَ ورافعةً شعارَ قضية فلسطين، وذلك داخل عدة دولٍ لا تزال تكافح لاستعادةِ سيادتها واستقرارها.
لقد جاءت الحروبُ المشتعلةُ بالمنطقة لتطلقَ موجةً جديدةً من التشدد الديني، والرغبات الهوجاء في الحث على الاستكثار من الحروب التي تضرب البشرَ والحجرَ وتهدد الأمنَ الإقليمي والعالمي.
لماذا لا يمتلك العالمُ الإسلامي المناعةَ التي تحول دون الاستهواء والانخراط في الاضطراب والاستماع إلى كلّ ناعق؟ هناك مَن يربط ذلك بتعدد المرجعيات الدينية أو بانعدامها. لكنّ الخبراء الاستراتيجيين يرون أنّ الموجات الجديدة كلها مصنوعة من دولٍ وجهاتٍ همّها التخريب على الدين وعلى الدول الوطنية.
كيف نجعلُ الشبانَ بمنأى عن الإغراء والاستهواء؟ لقد كان اعتقادي أنّ السكنية في الدين تدعم الدول الوطنية، وتصحح رؤيةَ العالَم للإسلام. لكن منذ كتابي «الصراع على الإسلام»، عام 2004، صرتُ أرى العكس، بمعنى أنّ الدولة الوطنية هي التي تحول دون أن تَحدث في الدين انشقاقاتٌ، كما أنها هي بوابتنا على العالَم. لكن ماذا تفعل النخب الدينية والثقافية والإعلامية؟ تبقى لها وظيفتان: إطلاق المبادرات التي تغيّر «رؤية العالم» لدى الجمهور المتدين في المدى الطويل، وإقامة الشراكات مع المؤسسات العلمية والثقافية والدينية عبر العالم لقراءة التجارب الأخرى وفهمها مع الدين كما مع الدولة.


*أستاذ الدراسات الإسلامية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية



إقرأ المزيد