سباق الذكاء الاصطناعي.. وحدود اللغة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

بعد مرور أكثر من 50 عاماً على وفاتها، لا يزال اسم هيلين كيلر يتردد في نقاشات الذكاء الاصطناعي. وغالباً ما يُستشهد بإنجازات التواصل التي حققتها الكاتبة الأميركية، رغم كونها صماء وكفيفة، كدليل على أن اللغة هي السبيل الأمثل لابتكار آلات تضاهي البشر في ذكائها.
ورغم الأصوات المشككة التي ارتفعت في البداية، أثبتت «نماذج اللغة الكبيرة» التي تشكّل الركيزة الأساسية لغالبية استثمارات الذكاء الاصطناعي اليوم، أنها أكثر واقعية من التوقعات. فالحاسوب لا يستطيع غمس قدميه في مياه المحيط، لكنه يستطيع تحليل نصوص الإنترنت ومحاكاة فهم معنى ابتلال القدمين بالماء، مما يعكس الهوس بنماذج اللغة الكبيرة الذي يندرج ضمن تقليد طويل يربط بين اللغة والذكاء.
إلا أن سرد «كيلر» لتلك اللحظة الشهيرة عند تعلمت كلمة «ماء» كان يحمل أبعاداً تتجاوز مجرد الكلمات. فبينما كانت معلمتها آن سوليفان تهجي حروفَ الكلمة على كفها، شعرت كيلر بما وصفته بأنه «شيء رائع البرودة» ينساب فوق يدها. لم تكن فقط تربط كلمةً بأخرى، بل كانت تربط اللغة بإحساس ملموس.
وتكتسب هذه التفرقة أهميةً بالغةً مع دخول عصر الذكاء الاصطناعي المادي، الذي يبشر به جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا». فمع ظهور روبوتات تتحرك في العالم الواقعي، تتضح حدودُ النماذج اللغوية الكبيرة، إذ إن معرفة كل ما كُتب عن استخدام عيدان الطعام أو ربط الأحذية لا تعني القدرةَ على تناول الطعام أو مغادرة المنزل.
وتتمثل أكبر عقبتين أمام تطوير روبوتات شبيهة بالبشر في المهارات الحركية الدقيقة لليدين و«الدماغ»، أي نماذج الذكاء الاصطناعي التي توجه الأفعالَ في الواقع. وقد يفتح تجاوزُهما البابَ أمام سوق تتوقع مؤسسة «مورغان ستانلي» أن تبلغ قيمتُها 5 تريليونات دولار بحلول عام 2050. لكن المشكلتين قد تكونان أكثر ترابطاً بشكل يفوق التوقعات.
وتشير دراسة نشرتها مجلة «نيتشر»، العام الماضي، إلى أن تطور المهارات الحركية الرئيسية وتطور الدماغ يتم بالتزامن عبر الأجيال، مما يوحي بأن الذكاء تشكّل بالتفاعل الجسدي مع العالم، وليس بمراقبته فحسب.
ويرى جونغهي ريو، الرئيس التنفيذي لشركة «آر إل وورلد»، الكورية الجنوبية المتخصّصة في الذكاء الاصطناعي المادي، أن تحقيق الذكاء الاصطناعي العام قد يتطلب مساراً مشابهاً. وتطور شركتُه نماذجَ أساسيةً للروبوتات لتمكينها من إتقان حركات الأصابع الخمسة، مؤكداً ضرورةَ تطور أجهزتها وبرمجياتها معاً. وأعلنت الشركةُ تعاونَها مع «إنفيديا» لتطوير معيار قياسي جديد لتقييم مهارات المناولة اليدوية الدقيقة.
ويقول ريو إن النماذج اللغوية الكبيرة تجيد فهمَ الظروف والتخطيط، لكنها تعجز عن تنفيذ المهام التي تتطلب مهاراتٍ حركيةً دقيقةً، الأمر الذي يحد من فائدتها في قطاعات واسعة من سوق العمل. وهذا يثير الشكوكَ بشأن الادعاءات بأن الذكاء الاصطناعي العام تحقق بالفعل، وعلى نحو يضاهي قدرات البشر.
ووصف محللون في شركة «كوريا إنفستمنت آند سيكيوريتيز» إتقانَ المهارات الحركية البشرية، لا سيما باستخدام الأيدي الروبوتية، بأنه يُعد «العنصر الأخير الذي يجعل الذكاء الاصطناعي العام ممكناً». وأشاروا إلى ارتباط اليدين بنحو 25% من القشرة الحركية للدماغ و30% من القشرة الحسية، مما يجعلهما أساسيتين لإدراك المعلومات الخارجية والتفاعل معها.
ورغم توقع الخبراء بأننا نقترب من الذكاء الاصطناعي العام، فإنهم يعتقدون بأننا نبتعد عن مرحلة قدرة الآلات على إنجاز المهام المادية البسيطة. ففي استطلاع طويل الأمد شمل مئات الباحثين في مجال الذكاء الاصطناعي، توقع المشاركون عام 2016 أن تتمكن الآلات من طي الملابس وتركيب أي مجموعة من قطع «ليغو» بكفاءة تفوق البشر بحلول عامي 2022 و2025. إلا أن هذه التوقعات تأجلت في أحدث نسخة من الاستطلاع عام 2024 لتصبح عامي 2030 و2031.
ويشير تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي بجامعة ستانفورد إلى أن أصعب التحديات تتعلق بالتفاعل مع العالم الحقيقي في بيئات غير متوقعة، حيث تترتب على الأخطاء عواقب ملموسة. وكشفت المقارنة بين أداء الروبوتات في المختبرات والمنازل المحاكاة عن فجوة هائلة، يعزوها ريو إلى ضعف المهارات الحركية الدقيقة.وتتيح تلك الفجوة فرصة للمنافسين لمعالجة الأجزاء الأكثر صعوبة في جعل الروبوتات مفيدة، ويُرجح أن يكشف ذلك عن حدود بناء نماذج لغوية أكبر حجماً. كما أن شغف المستثمرين بنماذج اللغة يزيد من خطر تدفق الأموال بوتيرة أسرع من وتيرة تقدم العلم. وتتجلى حدود اللغة والقدرة على تطويعها بوضوح أكبر في المساعي الجماعية لمجرد إيجاد تعريف للذكاء الاصطناعي العام، إذ قد ينتهي المطاف بالمسار المؤدي إلى ذكاء شبيه بالذكاء البشري في العالم الواقعي، ليكون أشبه بتجربة «كيلر»، بحيث لا يقتصر الأمر على الكلمات فحسب، بل يتطلب حاسة اللمس أيضاً.


*كاتبة متخصصة في شؤون التكنولوجيا

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»



إقرأ المزيد