الإمارات اليوم - 10/11/2026 12:07:40 AM - GMT (+4 )
كشفت ملاحظات ميدانية في مدارس خاصة عن وصول أطفال إلى مرحلة رياض الأطفال من دون استكمال التطعيمات المقررة لهم.
وعند التواصل مع أولياء أمورهم لمطالبتهم باستكمال الجرعات الناقصة، حفاظاً على صحة الطفل والطلبة المحيطين به، أظهر بعضهم قناعات مستقاة من مقاطع منشورة على «السوشيال ميديا» ومنصات التواصل الاجتماعي، تتضمن نصائح غير علمية ومفاهيم خطأ، قدمها مشهورون بهدف زيادة عدد المشاهدات.
وزعمت الفيديوهات أن «تعدد الجرعات في سنوات العمر الأولى قد يضعف مناعة الطفل»، أو أن «بعض الأمراض أصبحت نادرة، ولم يعد التطعيم ضدها ضرورياً»، فيما أكد مختصون أن ندرة بعض الأمراض في الوقت الراهن لا تعني انتفاء الحاجة إلى التطعيم ضدها، بل تعكس نجاح برامج التحصين وارتفاع نسب التطعيم على مدى عقود.
وتفصيلاً، قالت استشارية الأمراض المعدية لدى الأطفال، الدكتورة عائشة عبدالله الخالدي، لـ«الإمارات اليوم»، إن عدداً كبيراً من تطعيمات الطفولة يعطى خلال السنة الأولى من عمر الطفل، وهي مرحلة تجعل الأهل أكثر حساسية تجاه أي تغير يطرأ عليه.
وأضافت أن التردد في التطعيم لا يتشكل دائماً نتيجة موقف مسبق منه، فقد تبدأ القناعة بتجربة عايشها الأب أو الأم، مثل ارتفاع حرارة الطفل بعد جرعة سابقة، أو قصة نقلها قريب أو صديق، أو مقطع مؤثر ومتكرر على وسائل التواصل الاجتماعي، أو القلق من إعطاء أكثر من لقاح للطفل خلال زيارة واحدة للطبيب.
وأكدت أن تعرّض الأسر لمعلومات غير دقيقة ومضللة عن اللقاحات عبر وسائل التواصل أصبح عاملاً مؤثراً في قرارات بعضها، مشيرة إلى أن هذه المخاوف ليست جديدة على الأطباء، وأن التردد في الحصول على اللقاحات خضع لدراسات تناولت أسبابه وطرق التعامل معه، وفي مقدمتها المخاوف المتعلقة بالسلامة.
وقالت إن المعلومات المتضاربة وغير الصحيحة من العوامل المؤثرة في قرارات بعض الأسر.
ومن الحجج التي تواجهها الخالدي من أولياء الأمور قول بعضهم إن «طفلي بصحة جيدة، فلماذا أعطيه كل هذه اللقاحات؟»، مؤكدة أن تمتع الطفل بصحة جيدة هو تحديداً ما يسعى الطبيب إلى المحافظة عليه من خلال الوقاية.
وقالت إن الوقاية تمثل أحد أهم الأهداف التي يسعى إليها طبيب الأسرة وطبيب الأطفال، مضيفة أن حماية الطفل من المرض أفضل من الوصول إلى مرحلة علاجه والتعامل مع أعراضه ومضاعفاته، التي قد يستمر بعضها على المدى الطويل.
وأوضحت أن بعض الأمراض التي يتم التطعيم ضدها أصبحت نادرة اليوم، نتيجة ارتفاع نسب التحصين على مدى نحو 30 عاماً، وليس لأنها اختفت من تلقاء نفسها، مشيرة إلى أن تراجع التطعيم يسمح بعودة أمراض كانت معدلاتها قد انخفضت.
وذكرت من بين الأمراض التي يمكن أن تعاود الظهور عند انخفاض التغطية باللقاحات الحصبة الألمانية والسعال الديكي، إضافة إلى أمراض أخرى تستهدفها برامج التحصين.
وردت الخالدي على مخاوف بعض الأسر من أن كثرة اللقاحات في سن مبكرة قد ترهق جهاز الطفل المناعي، بأن جهاز المناعة يتعامل منذ الولادة مع أعداد كبيرة من الجراثيم والعوامل الموجودة في البيئة المحيطة، سواء على الجلد أو عبر الجهازين التنفسي والهضمي.
وأوضحت أن مكونات اللقاحات وجرعاتها ومواعيد إعطائها محسوبة علمياً، وتقدم للطفل بصورة منتظمة ووفق جدول مرتبط بعمره، مشيرة إلى أن زيادة عدد اللقاحات المتاحة عبر السنوات جاءت نتيجة التقدم العلمي والقدرة على الوقاية من مزيد من الأمراض الفيروسية والبكتيرية.
وأكدت أن الأعراض التي تظهر بعد التطعيم غالباً ما تكون بسيطة ومؤقتة، مثل الألم في موضع الحقن وارتفاع درجة الحرارة والإرهاق، وترتبط باستجابة الجهاز المناعي للقاح.
واستشهدت بالإنفلونزا، موضحة أن مضاعفاتها لدى غير المحصنين قد تكون شديدة في بعض الحالات، وقد تصل إلى التهاب الرئة أو الدماغ والأغشية السحائية والفشل التنفسي والوفاة، مؤكدة أن التطعيم «لا يحمي الشخص نفسه فقط، وإنما المجتمع من حوله».
وأوضحت أن اللقاحات تحتوي على مادة فعالة لتحفيز جهاز المناعة، إضافة إلى كميات صغيرة من مواد تساعد على حفظ اللقاح وتحسين الاستجابة المناعية، فيما تخضع عملية التصنيع والتخزين والحفظ والمراقبة لضوابط قبل اعتماد التطعيم واستخدامه على نطاق واسع.
وأشارت إلى أن «الألمنيوم» من المكونات التي يكثر تداول الحديث عنها على وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدة أنه يستخدم بكميات صغيرة جداً لتحسين الاستجابة المناعية، وأن الادعاء بأن وجود مكونات معينة في اللقاحات يعني بالضرورة أنها تسبب أضراراً صحية لا تدعمه أدلة علمية.
من جانبها، أكدت استشارية الجهاز الهضمي للأطفال، الدكتورة شادن نجيب المحاميد، حق الأسرة في الحصول على إجابة علمية، بدلاً من ترك مخاوفها لمعلومات متداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وأوضحت أن اللقاحات تحتوي على مادة فعالة لتحفيز جهاز المناعة، إضافة إلى كميات صغيرة من مواد تساعد على حفظ اللقاح وتحسين الاستجابة المناعية، فيما تخضع عملية التصنيع والتخزين والحفظ والمراقبة لضوابط من قبل الهيئات الصحية التنظيمية العالمية والوطنية قبل اعتماد التطعيم واستخدامه على نطاق واسع.
وأضافت أن ذلك لا يعني أن التطعيمات خالية تماماً من الآثار الجانبية، إلا أن الآثار الخطرة «نادرة جداً»، ويجب عند تقييمها الموازنة بين مخاطر اللقاح وفوائد الوقاية من المرض والمضاعفات التي قد تترتب على الإصابة به.
وقالت إن معظم الأهالي يصبحون أكثر اقتناعاً ودراية بعد حصولهم على الوقت الكافي لمناقشة مخاوفهم، معتبرة أن مواعيد التطعيم في العيادات يجب أن تأخذ حقها من الحوار، لأن تأثير الطبيب قد لا يتوقف عند الطفل، وإنما يشمل والديه أيضاً.
وأوضحت أن الأب والأم، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتجربة الطفل الأول مع اللقاح، سيبنيان على هذه التجربة قراراتهما المتعلقة ببقية الأبناء، وقد ينقلان ما تعلماه إلى أسر أخرى، ما يجعل أثر الحوار العلمي ممتداً إلى نطاق أكبر في المجتمع.
بدورها، أكدت المستشارة القانونية والمحامية أساور المنصوري أن تحصين الأطفال ضد الأمراض المستهدفة ليس مسألة متروكة لقناعة ولي الأمر وحده، إذ نظم القانون الاتحادي رقم (14) لسنة 2014 في شأن مكافحة الأمراض السارية مسؤولية تحصين الأطفال، وحدد التزامات ولي الطفل والجهات المعنية تجاه استكمال الجرعات المقررة.
وأوضحت أن المادة (20) من القانون تنص على وجوب تحصين المواليد ضد الأمراض السارية المستهدفة، وفق البرنامج الوطني للتحصين الذي تضعه وزارة الصحة ووقاية المجتمع، على أن يحصل المشمولون بالبرنامج على التحصين والخدمات المقدمة بشأنه مجاناً، فيما يصدر الوزير القرارات والجداول المنظمة للتحصين المجاني ضد الأمراض المستهدفة ضمن البرنامج الوطني للتحصين.
وأضافت أن المادة (21) ألزمت ولي الطفل أو من يقوم بكفالته بتقديمه إلى مراكز التحصين لتلقي جرعات التحصين اللازمة، كما أوجبت على أطباء الصحة المدرسية، بالتنسيق مع مديري المدارس، تحصين الأطفال الذين تحت إشرافهم وفقاً للبرنامج الوطني للتحصين.
وأشارت إلى أن النص يضع مسؤولية مباشرة على ولي أمر الطفل لتقديم طفله للحصول على الجرعات المقررة، وفي الوقت نفسه يمنح المدرسة والصحة المدرسية دوراً في متابعة تحصين الأطفال الموجودين تحت إشرافها، وهو ما يفسر متابعة المدارس سجلات التطعيم والتواصل مع أسر الطلبة الذين لم يستكملوا الجرعات المقررة.
ولفتت المنصوري إلى أن المجلس الوطني الاتحادي ناقش ووافق، في مارس الماضي، على مشروع قانون اتحادي جديد في شأن مكافحة الأمراض السارية.
وتضمن مشروع القانون تشديداً مباشراً بشأن امتناع أولياء الأمور عن تحصين أطفالهم، إذ نصت المادة (38) على معاقبة كل ولي لطفل أو من يرعى شؤونه إذا امتنع أو أهمل إعطاء الطفل أياً من التحصينات التي تقررها الوزارة وفق البرنامج الوطني للتحصين، بغرامة لا تقل عن 5000 درهم، ولا تتجاوز 20 ألف درهم.
وأكدت أن فلسفة هذه النصوص تتجاوز مسألة فرض العقوبة، إلى حماية حق الطفل في الرعاية والوقاية، مشيرة إلى أن القناعة الشخصية لولي الأمر ينبغي ألا تتحول إلى سبب لتعريض صحته للخطر أو حرمانه إجراء وقائياً تقرره الجهات الصحية المختصة، خصوصاً أن بعض القرارات الصحية لا تنعكس آثارها على الأسرة وحدها، وإنما قد تمتد إلى المجتمع.
إقرأ المزيد


