جريدة الإتحاد - 10/11/2026 9:38:05 PM - GMT (+4 )
لم تكن علاقتي بأستاذي الكبير الدكتور رضوان السيد حديثة عهد، فهي تمتد إلى أكثر من ثلاثين عاماً، تعلقتُ به خلالها متتبعاً أثره الفكري عبر مقالاته السيّارة في الصحف العربية، فلا يكاد يفوتني مقال له إلا إذا كنتُ مسافراً غير مستقر، في زمنٍ لم تكن فيه ثورة الإنترنت والصحافة الإلكترونية قد أضرمت أوارها بعد. ولقد كانت مؤلفاته الرصينة من أهم المراجع التي اعتمدتُ عليها في بحثي العلمي المجاز من جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، والموسوم بـ(المغالطات المنطقية لدى خطاب الإسلام السياسي: سيد قطب أنموذجاً).
ومن كتبه الفذة في بابها، الصريحة في تناولها، الواضحة في معانيها ومقاصدها -شأن سائر نتاجه الفكري- كتابه: (الصراع على الإسلام: الأصولية والإصلاح والسياسات الدولية)، حيث يقدم فيه أستاذنا تشخيصاً معرفياً عميقاً ودقيقاً للتحولات السياسية والفكرية المركبة، التي تحيط بالظاهرة الإسلامية في الفضاءين العربي والدولي.
ينطلق الدكتور رضوان السيد في هذا العمل من مقولة افتتاحية مركزية مفادها أن الإسلام بوصفه ديناً وثقافة وحضارة ومجتمعاً بات اليوم الصراع على تملك روحه مشتداً بين ثلاث جهات:
الأولى: الأصوليات والحركات الإسلامية السياسية: وهي التيار الذي يسعى إلى احتكار النطق باسم الدين وتوظيفه أداةً أيديولوجية في الصراع على السلطة أو المواجهة المسلحة مع الدول الوطنية ومع العالم.
الثانية: السلطات العربية والإسلامية ومعها المؤسسات الدينية الرسمية: وهم الذين يريدون العيش في العالم لا تدميره، ويريدون استعادة السكينة في مجتمعاتهم ودولهم، فقد تأخروا في خوض المنافسة على روح الإسلام، ولكنهم خاضوها أخيراً وإن من باب ضيق هو باب مكافحة الإرهاب في صفوفهم (حتى حولت دولة الإمارات المنافسة من مجرد مكافحة الإرهاب في طوره النهائي، إلى معالجة تامة لاستعادة روح الإسلام باستعادة الخطاب الديني المختطف).
الثالثة: سياسات القوى الدولية: وهي الجهات التي تحاول إعادة تعريف الإسلام وفق رؤيتها الخاصة، وضبط مساراته بما يخدم المصالح الجيوسياسية والاستراتيجية لها.
ويحلل أستاذنا في فصول الكتاب أبعاد هذا الصراع عبر ثلاثة محاور رئيسية:
المحور الأول: الأصولية وتفكيك الحركات الإسلامية
ويقدم فيه تفكيكاً معرفياً لتشكّل النزعات الأصولية وتطورها التاريخي، من حركات إحياء ديني وإصلاح اجتماعي إلى تيارات سياسية وراديكالية. ويرى أن خطورة الأصولية تكمن في اختزال السعة الإسلامية الرحبة، وخنق التنوع الثقافي والفقهي التاريخي لصالح أيديولوجيا أحادية إقصائية.
المحور الثاني: إشكالية الإصلاح ومبادراته
ويتناول فيه قضية الإصلاح الديني والسياسي، مميزاً بين مشروعين: الأول هو الإصلاح المفروض من الخارج في إطار «السياسات الدولية» ومفاهيم الهيمنة، والثاني هو الإصلاح النابع من الداخل، القائم على الاجتهاد الفقهي الأصيل، وتجديد الفكر العربي، وتطوير المؤسسات الوطنية والدينية التقليدية لتواكب العصر.المحور الثالث: الإسلام في معترك السياسات الدولية
يسلّط فيه أستاذنا الضوء على كيفية تحوّل الإسلام إلى ملف أمني وسياسي ضاغط في الدوائر الغربية، لا سيما بعد الأحداث العاصفة في مطلع القرن الحادي والعشرين، وكيف أدى هذا التعاطي إلى تعميق الفجوة وزيادة حالة الاستقطاب بين الشرق والغرب.
وخلاصة القول: إن كتاب (الصراع على الإسلام) لأستاذنا الدكتور رضوان السيد ليس قراءة في وقائع سياسية وفكرية مجردة، بل هو نداء لاستعادة المبادرة الفكرية والسياسية في فهم الإسلام وتمثيله، إذ يرى أن الخروج من أزمة «الصراع على الإسلام» يتطلب مساراً ثلاثي الأركان: إصلاحاً دينياً وتجديدياً متوازناً، وإنقاذ الدولة الوطنية ومؤسساتها الجامعة، وتصحيح العلاقات مع العالم على أصول الحوار والتكافؤ، لا الهيمنة والمواجهة. إنه، بحق، وثيقة فكرية متزنة ورصينة لكل مهتم بقضايا الفكر العربي والإسلامي المعاصر.
إقرأ المزيد


