الدِّين والمشترَك الإنساني.. والمنظور العقلاني
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

في مدينة بادوفا الإيطالية شاركتُ الأسبوع الماضي في الندوة المتميزة التي نظّمتها جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية مع جامعة المدينة حول الدِّين والمشترك الإنساني.
الندوة التي حضرها جمع مهم من الفلاسفة والباحثين والمفكرين الغربيين والعرب، استضافتها جامعة بادوفا العريقة التي تأسّست في مطلع القرن الثالث عشر الميلادي، واحتضنت وجوهَ النهضة الأوربية، مثل عالم الفيزياء غاليلي وعالم الفلك كوبرنيك، كما كانت المركزَ الأساسي في أوروبا للرشدية اللاتينية.
الندوةُ الأخيرةُ تمحورت حول موضوعات أساسية، مثل اللاهوت وعلم الكلام وتجارب الحوار الديني والدراسات الدينية المعاصرة، وليس من همّنا تلخيصها أو الرجوع إليها، بل ما يهمنا هنا هو إبراز طبيعة هذه المبادرة التي يرجع الفضل فيها لدولة الإمارات، من خلال جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، التي جعلت في صدارة اهتماماتها الانفتاحَ على الأفكار والثقافات العالمية ورفض التحجر والتعصب.
ومن هنا أهمية فكرة «المشترك الإنساني» التي تعني الالتزامَ بقيم الكونية الجامعة بين البشر، على اختلاف توجهاتهم وآرائهم. ولهذه الفكرة ثلاث مقاربات برزت تباعاً في تاريخ الفكر: المقاربة الفلسفية المنطقية لدى اليونان التي تمحورت حول نظرية الأجناس والأنواع والأقيسة الشمولية، والمقاربة التي ارتبطت بالديانات التوحيدية في تصورها للخلق والتكليف وما ينتج عنه ضرورةً من تمايز جوهري بين الخالق والإنسان في ذاتيته المميزة، والمقاربة التنويرية الحداثية التي سلكت مسلكاً قانونياً اجتماعياً في تصورها للرابطة الإنسانية المكتفية بذاتها.
لقد كان هيغل يرى أن الذاتية هي نتاج اللاهوت المسيحي، بيد أن هذا المفهوم ليس خاصاً بالمسيحية، والحال أن فلاسفة الإسلام منذ الفارابي بَلوروا تصوراً واضحاً للكونية الإنسانية على أساس مفاهيم التعقل والتخيل والسعادة.
وفي السياق الراهن، الذي نشهد فيه صعودَ التيارات الراديكالية المتطرفة، يجري طمس القيم الإنسانية الكونية في التقليد الإسلامي، بما يتم في الغالب عن طريق رفض علم الكلام والفلسفة، وهما أساسُ التراث العقلاني الحجاجي الإسلامي.
 وفي إطلالات تلفزية أخيرة، ناقش المفكرُ الإماراتي البارز خليفة الظاهري هذه الآراء الراديكالية في جذورها البعيدة (أحكام التفكير وتقسيمات التوحيد الموروثة عن ابن تيمية وعقيدة الولاء والبراء.. إلخ) وجذورها القريبة (أطروحة الحاكمية والتفسير السياسي الأيديولوجي للدين)، مبيناً أهميةَ النظر الفلسفي العقلاني في تجديد المرجعيات والمعايير الفكرية.
 ما نستنتجه من هذه الرؤية هو أن الخطاب الإسلامي الرائج حالياً هو خطاب احتجاجي فقير، لكونه انقطع كلياً عن الكلام والفلسفة. فقد ذهب جُلُّ المتكلمين (وبصفة خاصة المعتزلة والأشاعرة) إلى أن أول واجب على المكلف هو استخدام العقل للوصول إلى الحقيقة، واعتبروا أن هذه الفريضة سابقة على الاعتقاد الديني التفصيلي. وعند النظر في المباحث الكلامية، نلمس ثراءً حقيقياً يعكس تنوعَ نظام الاعتقاد الإسلامي حتى داخل المدرسة الواحدة.
ومنذ الإمامين الجويني والغزالي، دمج المتكلمون والأشاعرةُ المنطقَ الأرسطي (الذي هو خلاصة الفلسفة اليونانية) في قلب الاعتقاد الإسلامي وفي المنهجية الأصولية، ملتمسين فيه اليقينيةَ الكونيةَ، في ما وراء خصوصية الملة والمذهب.
والواقع أن فلاسفة الإسلام، من الكندي إلى ابن رشد، لم يروا في الفلسفة نقيضاً للشريعة، بل اعتبروا أن الحقائق الدينية لا يمكن أن تعارض الحكمةَ العقلانيةَ، والعبرة ليست في الألفاظ والمناهج، بل في التأويل الصحيح الذي ينقل المضامين الدينية إلى لغة المفاهيم الفلسفية. وهذا ما عناه كانط في العصور الحديثة، في نظريته حول ترجمة مقولات النَّص المقدس إلى معجم المفاهيم الإنسانية الكونية، منطلقاً من وهم التعارض بين المجالين.في ندوة بادوفا، لاحظنا أن الفروقَ الجوهريةَ تنحسر عندما يتكلم الباحثُ والمفكرُ بلغة المفاهيم والتصورات العقلية، ويخرج من منطق «برهان التحكم» الذي لم يَعُد اليوم ممكناً في مجتمعات يَسِمُها التعدد والاختلاف.
ومن هنا واجب الإسهام في حركة الفكر الإنساني وفق المناهج والأدوات التصورية والتعبيرية المستخدمة في الثقافة العالمية، بدلاً من الاكتفاء بحقوق الخصوصية الحضارية والذاتية القيمية.
في ردوده على فيلسوف قرطبة وقاضيها ابن رشد الحفيد، اعتبر اللاهوتي الشهير توماس الأكويني أن تصورَه للعقلانية الكونية ووحدة الحقيقة يقضي على المعتقدات الروحية الخصوصية ويفتح الباب أمام نزعة إنسانية شاملة لا قيود فيها ولا حدود.
 وعلى عكس ما توهّم كثيرون، لم يسعَ ابن رشد إلى أسلمة أرسطو، بل اعتبر أن العقلانية الرصينة لا يمكن أن تناقض حقائق الدِّين المطلقة. فالعقل هو مقياس الحقيقة ومعيار قبول الأفكار والآراء، بغضِّ النظر عن مصدرها.


*أكاديمي موريتاني



إقرأ المزيد