جريدة الإتحاد - 10/11/2026 10:13:14 PM - GMT (+4 )
من الناحية الرسمية سياسة إيران الخارجية تقودها مجموعة أفكار مسطرة في مواد دستورية ثابتة وردت في دستور النظام الحاكم، تلك المواد، هي المادة العاشرة والمادة مئة واثنتان وخمسون والمادة مئة وأربع وخمسون.
المادة العاشرة تشير إلى أن إيران عليها واجب حتمي، هو التوجه نحو العالم الإسلامي على أساس أن الأمة الإسلامية هي أمة واحدة وبأن حكومة إيران عليها واجب صياغة سياساتها وفقاً لنظرة تقوم على توحيد المسلمين في دولة واحدة، وبأن عليها واجب السعي إلى تحقيق وحدة المسلمين السياسية والاقتصادية والثقافية.
أما المادة 152، فهي أكثر تحديداً وتقول بأن سياسة الجمهورية الإسلامية قائمة على الدفاع عن حقوق جميع المسلمين وعلى عدم التحالف مع الدول العظمى والكبرى.
أما المادة 154، فتهتم بانتشار إيران إلى خارج حدودها السياسية على أسس دينية، لكن بأسلوب ضمني يعزز من مقولات تصدير الثورة الإسلامية إلى الخارج.
وتذكر هذه المادة بأن إيران تعتبر الحصول على الاستقلال والحرية والحكومة العادلة حقوقاً مشروعة لجميع شعوب العالم، وتعمل إيران بكل ما تستطيع من جهد على تفعيل تلك الحقوق بكل ما يمكنها من جهد، وهي بذلك مسؤولة عن حماية الكفاح العادل لجميع المستضعفين والمضطهدين والمحرومين في جميع أنحاء العالم.
تلك المواد الدستورية لم تبق وثيقة مكتوبة وموضوعة على أرفف المكتبات، فالنظام الحاكم الجديد أعلن صراحة بأن من واجبه كـ«نظام إسلامي» أن يدعم الحركات التحررية الوطنية للشُعوب المحرومة حول العالم. وأوضح وزير الخارجية الإيراني آنذاك، إبراهيم يزدي، بأن حركات التحرر تنطلق من أوضاع داخلية مشروعة في أوطانها، وهي ترغب في الاستفادة من تجربة إيران الثورية، فهي لن تبخل عليها بذلك وستقدم لها الدعم المادي والمعنوي وكل ما تحتاج إليه من مال وسلاح وتدريب لتحقيق أهدافها.
إيران في الأيام الأولى بعد سقوط نظام الشاه كانت تعيش زخماً ثورياً افتقد إلى الاتزان والعقلانية السياسية، وبالطريقة التي أبداها وزير خارجيتها لم يتواجد أي تمييز منطقي بين الحركات المسلحة التي هي فعلاً ذات قضايا وطنية تحررية وبين العصابات المسلحة التي كانت تسعى إلى الفوضى التي تحقق من خلال وجودها الوصول إلى السلطة والثورة.
فمقولة تصدير الثورة ذاتها هي فكرة غامضة لم يحدد الإيرانيون ما الذي يرمون إلى تحقيقه من خلالها من مصالح لإيران ذاتها.
الطرح الذي تبناه المسؤولون الإيرانيون وقتها قد يبدو منمقاً وجميلاً عند سماعه للوهلة الأولى، لكنه في حقيقته طرح طوباوي واهم، لا يمكن لإيران بكل مقوماتها وتركيبتها السياسية والاجتماعية وإمكاناتها الاقتصادية أن تتولى أمره وتوفي به دون أن يؤثر ذلك على التزاماتها تجاه شعبها الذي يعيش وسط دوامة من التخلف والفقر والجهل والحرمان من كافة مظاهر الحياة العصرية.
موضوع تصدير الثورة هذا من وجهة نظرنا شأن ذو أبعاد داخلية أكثر من كونه موضوعاً ذا مصداقية، وذلك استنتاج مما لاحظناه منذ البداية في ثمانينيات القرن العشرين، وبعد وقوع عدد من محاولات الانقلاب على نظام حكم أصحاب العمائم بغرض الإطاحة به، توصل القادة الإيرانيون إلى قناعة بأن الحديث عن تصدير الثورة هو ليس مجرد أفكار أيديولوجية، لكنه يمكن أن يشكل عملية براجماتية فعالة تهدف إلى حماية الثورة في الداخل، ويمكن أن يتم ذلك عن طريق اللجوء إلى الهجوم السياسي في الخارج وتوسعة نفوذ الثورة على الصعيد الخارجي.
وقد أكد هذه الحقيقة لاحقاً طرح علي خامنئي عندما كان رئيساً للجمهورية حين قال في نوفمبر 1983 بأنه إذا ما تم إشغال العامة الإيرانية بتصدير الثورة إلى الخارج، فإن في ذلك منفعة للإبقاء على الثورة في الداخل، وهي بذلك لن تصبح مخترقة وستبقى محصنة. وللحديث صلة.
*كاتب إماراتي
إقرأ المزيد


