دبلوماسية «نقاط الاختناق».. نتائج عكسية
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

تعيد الدول اكتشاف نقاط الاختناق، من الممرات والموارد الحيوية التي تمنح سيطرة استراتيجية، كأداة للسياسة الخارجية، لكن عليها استخدامها باعتدال. وفي مطلع القرن الـ21، تبنّت الدول فكرة أن التكامل الاقتصادي العالمي يخدم مصالح الجميع.

أما اليوم، فحوّلت بعض الدول، بينها الولايات المتحدة، الاعتماد المتبادل في الاقتصاد العالمي إلى سلاح تستخدمه ضد بعضها، مستغّلة ما تملكه من أصول فريدة كورقة ضغط. تتمثل أقوى نقاط الاختناق الأميركية في السيطرة على الدولار. فقد حرمت واشنطن إيران وروسيا من الوصول إلى البنية التحتية العالمية للمدفوعات والخدمات المصرفية القائمة عليه قبل أكثر من عقد. وأسهم ذلك في دفع إيران إلى مفاوضات عام 2013 بشأن برنامجها النووي، فيما دفعت روسيا ثمن السيطرة على شبه جزيرة القرم عام 2014.

أما الصين، فتستمد نفوذها من دورها المحوري في سلاسل الإمداد العالمية، لا سيما المعادن الأرضية النادرة، إذ تعالج 90% من العناصر الأرضية النادرة في العالم. وفي أبريل 2025، فرضت بكين قيوداً واسعة على صادرات المعادن الحيوية والمواد المغناطيسية المستخدمة في منتجات تتراوح بين مقاعد السيارات ومقدمات الصواريخ، ثم وسّعتها. كما فرضت تراخيص على التكنولوجيا اللازمة لإنتاج هذه المواد ومعالجتها. وساعد التهديد باستخدام هذه الورقة في دفع الولايات المتحدة إلى التراجع عن رسوم جمركية عامة بنسبة 145% واعتماد نهج تجاري أكثر اعتدالاً.

واليوم، تستخدم إيران نقطة اختناق عتيقة وهي الجغرافيا. فمضيق هرمز، الذي كان يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط والغاز العالمية قبل الحرب، يمنح طهران القدرة على تعطيل الملاحة أو فرض رسوم على السفن العابرة. ورغم التفوق العسكري الأميركي، استطاعت إيران تحويل محور المفاوضات من طموحاتها النووية والصاروخية والإقليمية إلى إعادة فتح المضيق، والعودة إلى الوضع السابق للحرب. لكن إيران ربما بالغت في تقدير قوّتها، فالعلاقات الدولية تخضع لقانون فيزيائي جوهري: لكل فعل رد فعل.

وكلما استخدمت دولة نقطة اختناق سلاحاً، سارع الآخرون إلى تقليل اعتمادهم عليها. وفي حالة مضيق هرمز، خفّضت الصين وارداتها النفطية مع تحوّل اقتصادها نحو الكهرباء، بينما توسّع السعودية والإمارات ودول أخرى خطوط الأنابيب والموانئ البديلة. وبحسب منصة «كلبر» لتحليل البيانات، يُنقل نحو 40% من نفط المنطقة الخام حالياً دون عبور المضيق، مقابل 17% قبل الحرب.

إلا أن ورقة الضغط التي تمتلكها إيران تفقد قيمتها. وتتزايد أيضاً الجهود الدولية لتقليص الاعتماد على الصين في المعادن الحيوية والمواد المغناطيسية. وتقول إدارة ترامب إنها وافقت منذ يناير 2025 على صفقات تتجاوز 40 مليار دولار، وأطلقت منتدى متعدد الأطراف لبناء سلسلة إمداد مستقرة بعيداً عن النفوذ الصيني. كما تطور الولايات المتحدة مغانط عالية القوة لا تعتمد على المعادن الأرضية النادرة. وتمتد المخاطر إلى المكونات الدوائية التي تسيطر الصين على إنتاجها، ما يعزّز جهود تنويع الإمدادات وفك الارتباط الانتقائي باقتصادها.

وقد يكون الدولار أكثر قدرة على الصمود من سلاسل الإمداد والمواقع الجغرافية. فما زالت معظم المعاملات الدولية للنفط والحبوب والمعادن والسلع الأساسية تُجرى به، وتواجه الدول الخاضعة للعقوبات الأميركية صعوبة في تسوية معاملاتها من دونه. فبعد عقوبات عام 2014، أنشأت روسيا نظاماً محلياً للمدفوعات، لكنها ظلت تواجه عقبات في معاملاتها الدولية بسبب تقييد وصولها إلى المؤسسات المالية القائمة على الدولار.

ومع ذلك، تسعى حتى الدول الصديقة لواشنطن إلى تنويع احتياطياتها. فقد انخفضت حصة الدولار من احتياطيات النقد الأجنبي العالمية من أكثر من 70% عام 2000 إلى 57% حالياً. وفي المقابل، تزيد الصين مشترياتها من الذهب وتسوّي مزيداً من تجارتها الثنائية باليوان، لترتفع حصة العُملة الصينية في هذه التسويات إلى نحو 28% عام 2025، مقابل 11% عام 2017. لكن لا يوجد بديل للدولار قابل للتطبيق حتى الآن.

فالأسواق المالية الأوروبية مجزّأة أكثر مما ينبغي لتمكين اليورو من أداء دور محوري كعملة احتياطية، فيما يتطلب إحلال اليوان محل الدولار إصلاحات صينية، منها رفع القيود على حركة رؤوس الأموال، وهو ما يتعارض مع رغبة القيادة في إحكام سيطرتها. لذلك، قد يتراجع نفوذ إيران والصين، بينما يحتفظ الدولار بمكانته. غير أن الولايات المتحدة قد تقوّض ميزتها بنفسها. فقد استخدمت إدارة ترامب الرسوم الجمركية للضغط على شركائها التجاريين، لكنها دفعت دولاً مثل كندا إلى البحث عن أسواق بديلة.

وقد يؤدي تراجع حصة الدولار من حيازات البنوك المركزية أو اتساع التجارة بالعملات الأخرى إلى ارتفاع الفائدة على سندات الخزانة الأميركية وزيادة تكلفة الدين. ويمثّل الدَّين الأميركي، الذي بلغ 40 تريليون دولار، أي أكثر من 120% من الناتج المحلي الإجمالي، أكبر تهديد لمركزية الدولار، وبالتالي لقدرة واشنطن على استخدامه أداة للنفوذ.لكن الولايات المتحدة تظل الدولة صاحبة الاقتصاد الأكبر والأكثر مرونة وابتكاراً على مستوى العالم، وأهم خطوة يمكنها أن تتخذها للانتصار في لعبة الشطرنج هي عدم إلحاق الضرر، وخاصة الإضرار بنفسها.

- يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»

 

*رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأميركي والممثل التجاري السابق للولايات المتحدة.
 



إقرأ المزيد