جريدة الإتحاد - 10/11/2026 11:51:52 PM - GMT (+4 )
لو كانت الولايات المتحدة تبيع مياه الصنابير بالطريقة التي تبيع بها البيض أو البنزين، بحيث يظهر السعر أمام أعين المواطنين في كل مرة يستهلكون فيها المياه، لربما اختلف الجدل الوطني بشأن التضخم خلال العقد الماضي.
ولا تعتبر مياه الصنابير مجانية عند شربها في المطاعم أو استخدامها في المراحيض وري الحدائق. وبين عامي 2015 و2025، ارتفعت أسعار المياه بنسبة 62%، مقابل 28% للبيض، وفقاً لتقرير صادر عن منظمة «الغذاء والمياه».
وقبل عامين فقط، شهدت أميركا انتخابات وسط غضب واسع بسبب ارتفاع أسعار البيض، حين بلغ سعر دستة البيض 3.60 دولار، وكلّف الأسرة المتوسطة المكوّنة من ثلاثة أفراد نحو 240 دولاراً سنوياً. لكن فواتير المياه السنوية في جميع الولايات تجاوزت ذلك العام الماضي. وتوضح فواتير أكبر 500 نظام مياه محلي، تخدم 155 مليون شخص، أن متوسط فاتورة المياه السنوية بلغ 531 دولاراً مقابل استهلاك 60 ألف غالون.
وسُجلت أقل الفواتير السنوية في ولاية أيداهو، بمتوسط 285.61 دولار، وأعلاها في فرجينيا الغربية، بواقع 1.382.27 دولار. ومع تناقص مخزونات المياه الجوفية والخزانات بفعل ارتفاع حرارة الكوكب، وتزايد الطلب من المزارع والصناعات ومراكز البيانات، توصف المياه بأنها الذهب الجديد.
لكن الفارق الجوهري أن الذهب ليس ضرورياً للحياة، بخلاف مياه الشرب الآمنة التي يُعد الحصول عليها حقاً من حقوق الإنسان. ومن غير الإنساني فرض أسعار باهظة تجعلها تفوق القدرة المالية للأسر، كما يحدث بالفعل في الولايات المتحدة. وقد يؤدي عدم مراعاة ندرة المياه إلى استنزافها بوتيرة أسرع.
ومن بين أغلى 25 جهة مزودة للمياه، يقع أكثر من نصفها في كاليفورنيا، حيث بلغ متوسط الفاتورة 693 دولاراً العام الماضي، بعد ارتفاعها بنسبة 83% خلال عقد. ويثقل ذلك كاهل ذوي الدخل المنخفض، لكن يمكن تبرير ارتفاع الأسعار جزئياً بأن الولاية تعتمد على نهر كولورادو، الذي انخفض تدفق مياهه بنسبة 20% خلال القرن الحالي.
وسُجلت ست من أعلى عشر فواتير مياه متوسطة في فرجينيا الغربية وبنسلفانيا، رغم أن الولايتين لا تشتهران بنقص المياه. وجاءت الفواتير الست من شركات خاصة. وبلغ متوسط فاتورة عملاء شركات المياه الخاصة الهادفة إلى الربح 823 دولاراً سنوياً، مقابل 494.05 دولار لدى المرافق العامة، أي بزيادة 67%. وفي إلينوي وإنديانا، تقارب أسعار الشركات الخاصة ضعف أسعار الجهات العامة.
وتواجه مرافق المياه أيضاً تكاليف ضخمة للصيانة والإصلاح، إذ يتسرب نحو 20% من المياه التي تضخها قبل وصولها إلى المنازل، ما يكلّف الجهات المزودة أكثر من 6 مليارات دولار سنوياً. كما تهدر التسريبات المنزلية 900 مليار غالون سنوياً، وهي كمية تكفي لتزويد 11 مليون منزل بالمياه على الأقل.
لكن التمويل المخصّص لإصلاح البنية التحتية يتراجع. يدعو مشروع ميزانية الحكومة الفيدرالية الأخير الذي طرحه ترامب إلى خفض التمويل من 23 مليار دولار في السنة المالية 2026 إلى 8.6 مليار دولار في 2027، بينما يُتوقع أن تبلغ فجوة التمويل 2.1 تريليون دولار خلال ربع القرن المقبل.
وتنشأ بذلك حلقة مفرغة، فالتسريبات تقلّل إيرادات المرافق، ونقص الإيرادات يمنع إصلاح الأنابيب، فتزداد التسريبات وتتراجع الإيرادات أكثر. ولأن مرافق المياه لا تحصل على تمويل من الضرائب أو الرسوم مثل خدمات عامة أخرى، فإنها تلجأ إلى رفع الفواتير على المستهلكين.
ويقع العبء الأكبر على الأقل قدرة على تحمله. ففي بورتوريكو، حيث يبلغ متوسط الفاتورة 909.69 دولار سنوياً، تنفق الأسر الأقل دخلاً 20% من دخلها على المياه وحدها، مقابل 11% في فرجينيا الغربية. كما يفتقر نحو 2.2 مليون أميركي، وهو رقم ضخم، إلى مياه جارية آمنة.
ومن الحلول المقترحة إنشاء سوق اتحادية للمياه تحدد الأسعار وفقاً للاحتياجات والقدرة على الدفع، بما يضمن مساهمة شركات التكنولوجيا الكبرى التي تبني مراكز بيانات كثيفة الاستهلاك للمياه.
ووجدت دراسة عام 2023 حول تعديل أسعار المياه لتلائم الخصائص المنزلية المختلفة لعملاء هيئة مياه منطقة سينسيناتي الكبرى أن ربط الأسعار بقيمة العقارات يخفض الفواتير لمعظم السكان ويرفعها على الأكثر ثراء، محققاً تسعيراً أكثر عدالة.
ويعني ذلك أن أغلب الأميركيين يتحملون جزءاً من تكلفة استهلاك الأثرياء المفرط للمياه. غير أن إحدى العقبات التي تواجه ربط فواتير المياه بقيمة العقارات تكمن في إمكانية اعتبار ذلك «ضريبة عقارية»، إذ يمتلك أصحاب المنازل الأثرياء الموارد المالية اللازمة للتأثير على السياسة المحلية ومعارضة فرض مثل هذه الضريبة، مما قد يتحوّل إلى قضية سياسية مثيرة للجدل.
لكن هذا ليس أمراً سيئاً بالضرورة، فبالنظر إلى تزايد قيمة المياه وأهميتها، من الأجدى أن يدور الجدل حولها بدلاً من سعر البيض.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
كاتب متخصص في قضايا تغير المناخ
إقرأ المزيد


