أخي عُمَر
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

عندما غيّب الموت أخي عُمَر، شعرتُ بفراغٍ كبير، فقد كان يحتضنني و«يعفصني» بين ذراعيه في كل مرة نلتقي فيها، ويكثر من تقبيل رأسي وهو يقول: «هلا بالورد». وأذكر أني ركبت في سيارته ذات يوم وكنا نقصد شراء غرضٍ ما، ففتح المسجّل وسار يبحث عن أغنية يقصدها بالتحديد، وقال: «هذه الأغنية إهداء خاص لكِ، لأنها تنطبق على الرجل والمرأة في كل حالات الحياة، لاسيما العاطفية». قلت له إني لا أستمع سوى للأغاني التي تثير الشّجن وتعزّز الذاكرة ويغنيها مطربون معيّنون، فما كان منه إلا أن ضغط على زر «التشغيل»، وجاء صوت رخيم تخلل مشاعري وهو يتغنى بـ«شمعة الحب». فقلت له: هل نستمع لهذه الأغنية ونترك «يا ليل خبرني عن أمر المعاناة»؟» فقال: «لكل مزاج أغنية، ولكل هاجس طرب». 
وفي يوم الجمعة ذهبت لزيارة موتانا «رحمهم الله»، فبدأت الزيارة بعُمَر، وسرت أراوح بين القبور بحثاً عن أخي. لقد تغيرت ملامح المقبرة، فهناك قبور قد فعلت عوامل التعرية في تضاريس المكان فعلتها. بعد بحثٍ طويل رفعت يدي للخالق ودعوت له ولمن في ذلك المكان بالرحمة والمغفرة وقلت: «نيتي زيارتك يا عمر، وأعتقد أن النية تسد تأنيب الضمير». ومن عُمَر ذهبت إلى الشباب الذين انطووا تحت إطارات السيارات المسرعة، ومن قضوا شهداء، ومن ماتوا وفي أحشائهم المرض الخبيث، ومن فارقونا لأنّه وقت الرحيل.
بدأت الزيارة بالأهل، ولكن كلما وجدت الأصدقاء والمعارف الذين جمعتني بهم الأيام وأجيالاً متعاقبة من أهلنا، وقفت إجلالاً لعطائهم وجمال أرواحهم، وقرأتُ الفاتحة ودعوت لهم بالمغفرة والأجر العظيم. وأتعمّد زيارة أُمي في آخر المطاف، وفي الطريق إليها آثار في الرمال لأقدامٍ، منها ما هو صغير وكبير، فابتسمت وقلت: «وهكذا كانت هي، باب بيتها كقلبها مفتوح، وهي لا تحب الستائر والظلام، وتعشق الهواء الطلق والنور». عندما فقدت أُمي فقدت قلباً مخلصاً في حبه لي، وبعد فراق الأم كاذبٌ من يقول إنّ هناك عوضاً أو بديلاً عنها، وإن كنت أحبها كما أحب الوطن، فبعدها أصبح الوطن هو الحب الذي لا تنازل ولا تفاوض عليه.
واستذكرت حينها قصيدة «سوف يمضون وأبقى» الخالدة، وهي من روائع الشاعر السوداني محمد الفيتوري الذي يقول فيها: «سوف يَمْضُونَ وأَبْقَى.. إنني صِنْوُ حَيَاتِي. لَسْتُ أَقْوَى مِنْ حَيَاتِي.. بَيْدَ أَنِّي لَسْتُ أَشْقَى. بِعَذَابَاتِي وَمَوْتِي.. إنَّنِي أَنْقُشُ فَوْقَ الرِّيحِ صَوْتِي. وَسَيَمْضُونَ وَأَبْقَى!».
للعارفين أقول: عندما عدتُ إلى البيت شعرت براحة وسكينة، وأدركتُ جمال هؤلاء، وأنها نعمة من رب العالمين أننا عشنا معهم وبنينا ذكريات لا تُنسى، بل تحلو بها الحياة. رحم الله أنفساً علّمتنا أن الحب والنجاح والجمال يجمعها عامل الالتزام والوفاء بالعهد والوعد.



إقرأ المزيد