جريدة الإتحاد - 10/12/2026 11:05:36 PM - GMT (+4 )
لا يجب أن نتوقف كثيراً عند خسارة منتخب الإمارات للقب «خليجي 27» لصالح الأخضر السعودي، والذي تمتّع بميزة نسبية كبيرة (لا يستهان بها)، وهي اللعب على أرضه ووسط جمهوره، في ملعب الإنماء بمدينة الملك عبدالله الرياضية بجدة. لكن الأبيض كان نداً قوياً وكاد يقلب الطاولة أكثر من مرة، لولا العارضة والقائم وغياب التوفيق الذي افتقده بعضُ نجومنا خلال اللقاء.
ولا أريد أن أكون مستفزاً حين أقول إن خسارة المباراة وضياع اللقب الخليجي أفضل من الفوز وما يصحبه من أفراح، قد تُنسينا السلبيات فلا نلتفت إلى معالجتها قبل الاستحقاقات القارية والدولية الأكثر أهمية، وهذا هو المعترك الأهم، والذي ينبغي أن ننظر إليه.
صحيح أن إحراز اللقب الثالث في تاريخ الأبيض كان في المتناول بعد الأداء القوي والمميّز للفريق طوال مشوار البطولة، والذي أنهاه بتصدّر مجموعته قبل التفوق على نظيره العُماني في لقاء نصف النهائي، لكن الأهم عندي ما حققناه مِن مكاسب خلال هذه المشاركة.
لقد أكدت البطولةُ أن منتخب الإمارات يمتلك مجموعةً متميزةً ومنسجمةً من اللاعبين صغار السن يقودهم مدير فني قدير، ومن ثم فإن طموحاتنا في المستقبل القريب بلا حدود، بداية من التربع على عرش الكرة الآسيوية، حيث يخوض الأبيض نهائيات كأس آسيا المقررة في السعودية مطلع 2027، وصولاً إلى بلوغ كأس العالَم المقبل 2030.
وفي هذا السياق، أتفق تماماً مع ما قاله المدير الفني لمنتخبنا زلاتكو داليتش: «تعلمنا من هذه البطولة، وبالنسبة لنا كانت استعداداً جيداً للبطولات القادمة، وسنعمل على البناء على الإيجابيات ومعالجة السلبيات، كما سنعمل مع الأندية من أجل تطوير كرة القدم الإماراتية».
تعجبني مثل هذه التصريحات، التي تؤكد الثبات الانفعالي لدى المدير الفني، فلا يبحث عن مبررات للهروب من المسؤولية، وهذه هي الخطوة الأولى والبداية النموذجية لتصحيح الأخطاء، إذ أكد المدرب الكرواتي أن الفريق مطالبٌ بالتركيز والظهور بمستوى ثابت طوال شوطَي المباراة.
أتفهّم حزنَ الجماهير، خاصةً تلك الجموع التي تكبّدت عناءَ السفر لمؤازرة الفريق في مباراته الأخيرة، فلم يكن غريباً تَدافعُ الآلاف نحو مبادرة اتحاد الكرة الذي خصص 6 طائرات لنقل الجماهير، بيد أنه خلال دقائق حُجزت كل المقاعد. وأمام هذا الإصرار الكبير على الحضور، تمّت مضاعفة عدد الطائرات إلى 12.
حرصُ الآلاف على دعم الفريق في قلب الملعب، عكس تقديرَ الجمهور لحجم الجهد الكبير الذي بذله اللاعبون، وارتفاع منسوب الأمل لديهم. لكن في النهاية هذه هي كرة القدم، أحياناً تكون قاسية. وكما تعوّدنا دائماً أن ننظر للأمور بمنظور إيجابي وأن نحوّل المِحنَ إلى منح.
المكاسبُ العديدةُ تدفعنا نحو التفاؤل، دون استعجال لحصد الألقاب، فقد تأكد لنا أن الأبيض على الطريق الصحيح. وبالقطع هناك عناصر كثيرة ساهمت في تطوير المنظومة الكروية، وقد توقف عندها الكثيرُ من الخبراء والمحللين، خاصة المختصين منهم والمطّلعين على جوانب اللعبة.
أتوقّع وأتمنى أن يعلن اتحاد كرة القدم الإماراتي تجديدَ الثقة في مدربه الكرواتي القدير، خاصةً أن زلاتكو يملك سجلاً تدريبياً حافلاً بالإنجازات، جعله واحداً من أبرز المدربين الذين تركوا بصمتَهم في كرة القدم الآسيوية والأوروبية، قبل أن يكتب اسمَه بأحرف من ذهب مع المنتخب الكرواتي، بعدما قاده إلى المباراة النهائية لكأس العالم 2018 في روسيا، وحقق معه المركز الثالث في مونديال قطر 2022، وكان اختياره لقيادة الأبيض قراراً سليماً، وفي تصوري أننا سوف نجني الثمار الطيبة قريباً.
قبل الختام لا تفوتني الإشادة بالمشهد الحضاري للجماهير الإماراتية الراقية التي احتشدت في ملعب جدة، والتي كان مظهرها أجمل ما في اللقاء الختامي، لتؤكد أن المواطن الإماراتي في سلوكه «غير»، وأنه يؤمن بأن الرياضة منافسة شريفة، يقبل الخسارةَ ولا يبخس الفائزَ حقَّه في أن يفرح ويبتهج، وهذه بلا شك قمة الروح الرياضية.
وبذلك أكدت الجماهير أنها على خُطى القيادة في سموّها، حيث سارع شيوخ الإمارات وفي مقدمتهم صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، بتقديم التهنئة إلى خادم الحرمين الشريفين، وولي عهده، بالفوز بكأس البطولة.
على كل حال، دعونا نطوي هذه الصفحة، من أجل الاستعداد الجاد لما هو قادم، ليكون حضور منتخبنا فيها مناسباً لطموحاتنا، فقد آن الأوان للأبيض أن يكون على مستوى التطلعات التي لم تَعُد تقبل إلا بلوغ المقدمة والتربع على القمة، بما يليق بمكانة الإمارات.
إقرأ المزيد


