اليَّمن.. عندما يغادرها اعتدال المعتزلة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

بعد لقاء واصل بن عطاء، مؤسّس الاعتزال، بالإمام زيد بن عليّ، في مطلع القرن الثاني للهجرة، ولم يُعد زيد من طبقات المعتزلة، فكان يبرأ من القدريَّة، وهم أساس المعتزلة، يأخذك الظن أنه لا لقاء بين الزيدية والمعتزلة، لكن وجود الإمام الهادي إلى الحقَّ ببغداد، التي زارها بشبابه، تأثر بأحد أقطاب معتزلة بغداد، وأخذ عنه المبادئ العامة للاعتزال، نقلها بدوره إلى اليمن، والبداية بصعدة، وشكّل دولته على أساس الجمع بين زيديته والاعتزال بعد التَّحوير بشأن الإمامة، التي جعلها في البطنين، الحسن والحُسين، بينما المعتزلة جعلوها عامة لا تحدد بشخص أو عرق.وجد الهادي اليمن قبائل متنافرة، وجغرافيا معقدة، فكيف يوصل مذهبه إليهم، لذا أوجد للذين اعتمدهم بنشر دعوته حوزات خاصة «الهُجر العلمية»، جمع فيها دعاته وهم العلماء، فقاموا ببث الدعوة بين القبائل، ومن هناك صارت الزيدية كالمطرفية منها تتبنى الاعتزال حسب «الهادوية»، وبهذا نجح بدعوته، وظلّ الاعتزال في رحم الزيدية يتوالد من قرن إلى آخر، جمع تاريخها الباحث اليمني علي محمد زيد في كتابه «معتزلة اليمن دولة الهادي وفكره».
قد يسأل سائل أين ذهب الاعتزال اليمني، وأين مبادئ المعتزلة، واعتماد العقل؟ ظل الاعتزال قائماً في المذهب الزيدي، مع محاولات فرقة «الجارودية»: بالانفكاك عن المعتزلة، على الرغم أن الإمام الهادي حوّر ما أخذه عن معتزلة بغداد، في قضية الإمامة، القول بإمامة المفضول، أيّ القبول بخلافة أبي بكر الصّديّق، مع وجود الفاضل علي بن أبي طالب، فحصرها في البطنين مثلما تقدَّم، من دون وصية لخص بذاته، وعلى هذا الأساس قامة دولته واستمرت هكذا.
خلال القرون ظهرت فرق عديدة دخلت في صراعات مع «الهادوية» نفسها، ومن بينها التنصل عن الاعتزال بالكامل، لكن التصاق الزيدية بالمعتزلة عُجر عن محو الاعتزال، الذي جعل المذهب الزيدي معتدلاً بين المذاهب، ولا يفرق في الفروع بين السُّنة والشيعة، فهو يتعبد بالمذهب الحنفيّ السُّني في العديد من مسائل الفقه.
تجد هذا الاعتدال، والموقع المرضي تجاه الخلفاء، أصيب بمقتل، بعد ظهور جماعة «الشباب المؤمن» وظهور الجماعة «الحوثية» منه، وكان من خطابها نقد الاعتزال، وإبعاده عن الزيدية، بأكثر مما كانت تمارسه «الجاروديَّة»، فقد خصّص مؤسسها حسين الحوثي مساحة في ملازمه ضد المعتزلة، بما يخص التوحيد والعدل، والانقلاب على دعوة الإمام الهادي معتمداً على العلماء الذين استوعبوا الاعتزال.
إن وجود زيدية معتزلة لا يوفّر للحركة «الحوثية» استقلالها في الثورة والدعوة، لذا ترى علماء المذهب الزيدي الذين كانوا ضمن التحرك، ضد الفكر المتطرف الحنبلي، الذي مارس الكسب وسط الزيدية، خلال حرب أفغانستان وبعدها، وبذلك صار هؤلاء العلماء بين تطرفين، وقد ثبتوا على مذهبهم بالاعتدال، أما مسألة حصر الإمامة في البطنين فقد صار هذا من التاريخ، لذا قبلوا أو هادنوا النّظام الجمهوري، ولم تُعرف معارضة لهذا النّظام ذات صبغة مذهبيَّة زيدية، إلا بعد تشكيل «الحوثيّة» وطرح الإمامة الهاشمية بمقالات لم يحفل بها المذهب الزيدي مِن قبل سوى ما طرحته «الجارودية» في التشدد.
في هذه الأحوال القاهرة التي يعيشها اليمن، لا بد مِن تذكر «معتزلة اليمن»، وهم أصحاب «العقل»، وحفظة تراث الاعتزال، بعد تشتته من البصرة وبغداد، فجُل الكتب الاعتزالية وردت من خزائن اليمن، وفي مقدمتها موسوعة «المغني في التوحيد والعدل» للقاضي عبد الجبار (ت: 415 هج) ومجاميع طبقات المعتزلة، فإن لم يستطع الجارودية، إزالة الاعتزال من المذهب الزَّيديّ، فهل نجحت الحوثية بهذه المهمة؟ وإذا نجحت، بعد الهيمنة على المناطق الزيدية، فماذا بقى مِن الزيدية نفسها، كوجود فكري واجتماعي، تقبلته القبائل قديماً، ومِن يقوم بترميم هذا الهدم؟ وترى الاعتزال شاع باليمن رغم موقف الخليفة المأمون منها، وكان بلاطه معتزلياً، فيُذكر أنه قال لصعوبة أحوالها: «أما اليمن فوالله ما أحببتها ولا أحبتني قط» (ابن طيفور، كتاب بغداد). أما الهادي فنجح بإدخال الاعتزال إليها بالدّعوة.
*كاتب عراقي



إقرأ المزيد