جريدة الإتحاد - 10/15/2026 1:10:44 AM - GMT (+4 )
في حلقاته الأخيرة من برنامج «حديث العرب»، على شاشة «سكاي نيوز عربية»، دعَا الدكتور خليفة الظاهري إلى رد الاعتبار للعقل أداةً مستقلة للمعرفة، مؤكداً أن الفلسفة والمنطق والعلوم الإنسانية هي التي تصقُل الحس النقدي، وتحصّن الإنسانَ من الاستقطاب، ومنبّهاً إلى الخطر الكامن في تحوّل أقوال السابقين إلى حقيقة مطلقة تعلو على المساءلة.
وتستدعي هذه الدعوة مشهداً خلّده غاليليو في كتابه «حوار حول النظامين الرئيسيين للعالم» عام 1632: قاعة تشريح في البندقية، وطبيب بارع يكشف أمام الحاضرين أن جذع الأعصاب يصدر عن الدماغ ثم يتفرّع في سائر الجسد، فيلتفت إلى فيلسوف مشّائي يسأله عن قناعته، فيُقرّ الرجل بأن البرهان بلغ عنده غاية الوضوح، ثم يستدرك بأن نص أرسطو يقرّر خلافه، ويجعل القلب منبع الأعصاب.
وتختزل هذه الواقعة مأساة العقل حين يستقيل من وظيفته، فالفيلسوف المشّائي رأى الحقيقة بعينيه، ثم آثر عليها سلطة النص البشري، فانقلب المنطق في يده من أداة للفحص إلى سياج يحرس الموروث. وتلك مفارقة بالغة الدلالة، فأرسطو نفسه قدّم الملاحظة في أبحاثه الطبيعية، وجعل الحس مدخلاً إلى المعرفة، فإذا بأتباعه يحتمون بنصِّهِ من الحس ذاته. وقد سمّى المناطقة هذا المسلك «حجّة السلطة»، وعَدّوه مغالطةً تحاكم القول بمنزلة قائله، وتَغفُل عن وجاهة دليله.
وهنا تتجلّى قيمة المنطق في معناه الأصيل: ميزانٌ يزن الحجج بقوتها الذاتية، ويمنح العقلَ شجاعة الاحتكام إلى البرهان، أيّاً كان مصدره، وأيّاً كانت منزلة صاحبه. ولكل حقبة أدواتها التي تنظر بها إلى العالم، فقد عنون فرانسيس بيكون كتابَه سنة 1620 «الأورغانون الجديد»، معلناً ميلاد آلة معرفية تقوم على الملاحظة والاستقراء، في مقابل «الأورغانون» الأرسطي الذي ساد قروناً متطاولة.
وكان بيكون يدرك أن تجديد الأداة يسبق تجديد المعرفة، فالعقل المجرّد من المنهج كاليَد العارية أمام صخرة صمّاء. وقد حذّر في الكتاب ذاته مما سمّاه «أوهام المسرح»، وهي الأفكار التي يتلقّاها الناس وراثةً من السابقين، فيحسبونها حقائق نهائية، وهي في جوهرها روايات ألّفها بشرٌ على خشبة زمنهم. وعلى هذا الأساس، رأى هيغل أن الفلسفة هي عصرها وقد أدركه الفكر، فكل منظومة معرفية ابنةُ شروطها التاريخية، تحمل ملامح أسئلتها ومناهجها. ثم جاء توماس كون عام 1962 في «بنية الثورات العلمية» ليبيّن أن العلم يتقدّم بقفزات نوعية، تتهاوى فيها النماذج الإرشادية القديمة حين تعجز عن تفسير الظواهر الجديدة، فتُفسح المجال لنماذج أرحب وأقدر.
وتكشف هذه الرؤية أن الحقيقة العلمية ثمرةُ مجتمعات علمية تتواضع على أدواتها، وتراجعها كلما اتسع أفق التجربة. وفي تراثنا الفلسفي سبق الكِندي إلى هذا الأفق، حين دعا إلى قبول الحق من أين جاء، وجعل الحق أولى ما يسعى إليه طالبُه.أما الجمود الفكري، فهو في حقيقته أزمة وعي بالزمن، إذ يجمّد عقاربَ الساعة عند لحظة بعينها، ويرفع اجتهادات أهلها إلى مرتبة المطلق، ثم يطالب الحاضرَ كلَّه بالوقوف عندها. ويتحوّل الماضي في هذا الوعي من ذاكرة نستلهمها إلى سجن نقيم فيه، ومن تجربة إنسانية قابلة للحوار إلى نموذج مغلق يُقاس عليه كل جديد. ومن هذه البيئة الراكدة يتغذّى التطرّفُ، فيجد في العقول المعطَّلة أرضاً خصبةً لبذوره، وفي النفوس المتعطّشة لليقين مستودعاً لشعاراته. وحين يتسلّح الإنسان بأدوات الفلسفة، يتعلّم أن يسأل عن الدليل قبل القائل، وعن السِياق قبل الحُكم، وعن المقدّمات قبل النتائج، فتتصدّع أمامه الأصنام الذهنية واحداً تلو الآخر.
وبعد، فقد خرج الفيلسوف المشّائي من قاعة التشريح كما دخلها، أسيرَ نصٍّ يحرسه، وبقي الدرس الذي سجّله غاليليو شاهداً عبر القرون على أن المعرفة تولد من شجاعة النظر. تلك هي الرسالة التي حملتها حلقات الدكتور خليفة الظاهري: أن نحترم السابقين بوصفهم شركاء في رحلة البحث، ونحمل أدوات عصرنا لنُكمل الطريق، فالعقل الذي يجرؤ على السؤال يصنع مستقبله، والعقل الذي يُسلّم مفاتيحه للماضي يعيش غريباً في حاضره.
*كاتب إماراتي
إقرأ المزيد


