جريدة الإتحاد - 10/28/2026 10:19:19 PM - GMT (+4 )

يُعدّ التسامح واحدة من أعرق الفضائل الإنسانية والأخلاقية والدينية. فهو يعبّر عن سمو النفس، والتصالح مع الذات، والانفتاح الواعي على الآخر. وفي منطقتنا العربية، طالما كان التسامح عنواناً بارزاً للخطاب الثقافي والاجتماعي والديني، للدلالة على سماحة الأديان ووسطيتها في التعامل مع المختلف. وقد قدمت دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجاً عالمياً فريداً وملموساً في تجسيد هذه القيمة على أرض الواقع. فمن إرساء دعائم «وزارة للتسامح والتعايش»، إلى احتضان العاصمة أبوظبي لتوقيع التاريخي في فبراير 2019 لـ«وثيقة الأخوة الإنسانية» من قبل فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر وقداسة البابا فرنسيس، رأس الكنيسة الكاثوليكية آنذاك، مروراً بتشييد «بيت العائلة الإبراهيمية».
إن هذا النهج لم يكن وليد الصدفة، بل هو ثمرة حية لغرس القائد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، الذي تجاوزت برؤيته الثاقبة حدود زمانه وجيوبوليتيكية عصره، فأسّس لدولة تمد يدها بالخير والمحبة للجميع. وقد سار أبناؤه وقيادة الدولة الرشيدة على هذا النهج، ففتحوا الأبواب والقلوب لمختلف الجنسيات والثقافات، وسنّوا التشريعات والقوانين الصارمة التي تحرّم التمييز، وتجرم التعصب، وتعاقب التطرف.
ولأن المجتمعات الحية هي تلك التي تراجع إنجازاتها وتطوير أدواتها باستمرار، فإن السؤال الفكري والحضاري يطرح نفسه بقوة اليوم: هل يكفي التسامح وحده كإطار تنظيمي في التعامل مع المختلف؟ أم حان الوقت لتجاوز التسامح إلى رحاب «المواطنة» الكاملة، القائمة على الأسس الحديثة للدول المتقدمة؟
فرغم العظمة الأخلاقية والإنسانية للتسامح، فإن الفلسفة السياسية وعلم الاجتماع المعاصر يشيران إلى أن التسامح غير كافٍ وحدَه لإدارة التنوع في الدول الحديثة. لأن مفهوم التسامح يبقى مرهوناً بكرم وبمزاج المتسامح. يظل التسامح في جوهره فعلاً اختيارياً يعتمد على سخاء المتسامح وتسامحه الشخصي أو المؤسسي. وحين يُبنى الحق على «الكرم»، فإنه يتحول إلى هبة أو منّة، قابلة للتعليق أو السحب متى ما تغيرت الظروف أو المزاج العام.
كما أن التسامح يعطي إيحاء ضمني بالتفوق. يشير الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس وغيره من المفكرين إلى أن مفهوم التسامح قد يحمل أحياناً طابعاً أبوياً أو استعلائياً، وكأن هناك طرفاً «يملك الأصل» ويتفضل بالقبول بالطرف الآخر المختلف، مما يبقي مسافة غير متساوية بين الأطراف. وغالباً ما يُفهم التسامح أيضاً كحالة شعورية أخلاقية، بينما تحتاج المجتمعات المترابطة إلى آليات مؤسسية وقانونية ثابتة تحميه من تقلبات الأهواء.
في المقابل، تمثّل المواطنة النقلة النوعية الكبرى في تاريخ الفكر السياسي الحديث. إنها العقد الاجتماعي والدستوري الذي ينظّم العلاقة بين الفرد والدولة على أسس واضحة لا تحتمل التأويل. أساس يقوم على التعادلية والتساوي أمام القانون. تلغي المواطنة الفوارق المصطنعة، وتكرّس مبدأ المساواة التامة أمام الدستور والمؤسسات والقضاء. فلا فرق بين مواطن وآخر إلا بكفاءته وإخلاصه لعمله ووطنه.
تقوم المواطنة على الحق لا المنّة. وفي ظل المواطنة، لا يستمد الأفراد حقوقهم من كرم السلطة أو تسامح الأغلبية، بل يستمدونها من قوة القانون والنص الدستوري. الحقوق والواجبات هنا متلازمة وثابتة لا تتغير بتغير القناعات الشخصية. و
تقوم المواطنة أخيراً على أساس الولاء للوطن وسيادة نظامه المؤسسي، وليس على الانتماء الديني أو الهوياتي الضيق، وهو ما يضمن استقرار المجتمعات وتقدمها وتعددها الإيجابي تحت مظلة القانون الواحد.
لدعم هذا التحول المنطقي والتاريخي والموضوعي، تؤكد الأدبيات الفكرية والدستورية العالمية والعربية على أهمية الانتقال من مرحلة «التعايش الوجداني» إلى مرحلة «الاندماج الحقوقي».
ففي الفلسفة السياسية الحديثة يرى المفكر الفرنسي بول ريكور في كتاباته حول العدالة والاعتراف، أن الانتقال من التسامح (كفضيلة أخلاقية) إلى الاعتراف القانوني والمؤسسي هو الشرط الأساسي لتحقيق العدالة الاجتماعية والسلام الدائم. فالتسامح ينتهي حيث تبدأ المساواة الفعلية في الحقوق.
وفي الممارسة الدستورية المقارنة تؤكد دراسات علم الاجتماع القانوني أن الدول الأكثر تقدماً واستقراراً هي التي نجحت في تحويل التنوع الثقافي والديني من «عبء يجب تحمله بالصبر والتسامح» إلى «رصيد وطني تنظمه قواعد المواطنة المتساوية».
وهنا تعتبر التجربة الإماراتية نموذجاً فريداً لأن دولة الإمارات، التي نجحت بامتياز في بناء بيئة التسامح والتعايش، تمتلك اليوم البنية التشريعية والمؤسسية المتقدمة (مثل قوانين مكافحة التمييز والكراهية وحماية حقوق الإنسان، وتطور منظومة التأشيرات والإقامة المستدامة) التي تؤهلها للخطوة التالية: ترسيخ مفهوم المواطنة الشاملة والمسؤولية المشتركة التي تربط كل من يعيش على هذه الأرض بمصير ومستقبل هذا الوطن، وتجعل من الالتزام بالقانون والواجبات الوطنية المعيار الأسمى للانتماء. تملك الخبرة والمعرفة لتقود المنطقة من نور التسامح إلى فجر المواطنة.
إن الدعوة للانتقال من التسامح إلى المواطنة ليست تقليلاً من قيمة التسامح، بل هي تتويج له ورفع له من مرتبة «الأخلاق الفردية» إلى مرتبة «النظام المؤسسي المستدام». فالقائد المؤسس الشيخ زايد، طيّب الله ثراه، فتح الباب واسعاً برؤيته الإنسانية العظيمة، واليوم تكمل دولة الإمارات مسيرتها الرائدة نحو المستقبل عبر تمكين الإنسان، وتكريس سيادة القانون، وتأكيد أن الأوطان تبنى وتزدهر بتكامل الحقوق والواجبات المتساوية بين الجميع.
إقرأ المزيد


