مطرقة السؤال: الفلسفة في مواجهة التطرّف
‎جريدة الإتحاد -

 في عام 1195م، احتشدت جموع في قرطبة تشهد مشهداً يختصر مأساة العقل في تاريخنا: كُتُبُ ابن رشد تُلقى في اللهب، وصاحبها الفيلسوف القاضي وشارح أرسطو يُساق منفيّاً إلى اليُسانة، بعد أن حرّض عليه فقهاء ضاقت صدورهم بالسؤال. يومها ظنَّ الفقهاء أنّ النار كفيلة بإطفاء الفكرة، فإذا بأفكاره تفلت من ألسنة اللهب، وتعبر البحر في ترجماتٍ عبريّة ولاتينيّة، لتوقظ أوروبا من سُباتها الطويل. هكذا تُروى حكاية التطرّف في كل عصر: خوفٌ من العقل، وثقةٌ عمياء بالنار، وخاتمةٌ يكتبها العقل وحده.

التطرّف في جوهره، علّة معرفية قبل أن يكون ظاهرةً خطيرة على الأمن، إذ يقوم على يقين مغلق يحوّل الاجتهاد البشري المحدود إلى حقيقة مطلقة، ويُلبِس القراءة الواحدة للنص ثوب النص ذاته. وهو فوق ذلك بنية ذهنيّة اختزاليّة تختصر العالم في فسطاطين، والتاريخ في مؤامرة، والإنسان في هويّة واحدة صمّاء. والمتطرّف حين يحتكر الفهم لنفسه، يصادر معه حق الآخرين في الاختلاف، فتنقلب العقيدة في يده من رحمةٍ للعالمين إلى سيفٍ مسلول على المخالفين. ومن هنا تبدأ المأساة: من اللحظة التي يكفّ فيها العقل عن السؤال، ويستريح إلى طمأنينة زائفة.
وهنا تتقدم الفلسفة بمطرقتها، فقد اختار نيتشه لكتابه «أفول الأصنام» عنواناً فرعياً دالاً: «كيف نتفلسف بالمطرقة»، وأوضح في تصديره أنّه يطرق الأصنام بمطرقة تعمل عمل الشوكة الرنّانة، ليسمع ذلك الصوت الأجوف الذي يفضح خواءها. وهذه بعينها وظيفة العقل الناقد إزاء الخطاب المتطرّف: يختبر مقدماته واحدةً واحدة، فيكشف المغالطة الكامنة في ثنائية «معنا أو علينا»، ويُعرّي القفزة الخفيّة من قداسة النص إلى قداسة فهمه، ويردّ المفاهيم المختطفة التي تجاوزها زمانها إلى سياقاتها التاريخية والدلالية. عندئذٍ يتصدّع البناء الذي بدا صلباً، وتنكشف الأصنام التي عُبدت باسم المقدّس صناعةً بشريةً خالصة.

ثمّ تمضي المطرقة أبعد من تفكيك المقولات إلى تحرير الذات نفسها، وفي مقالته الشهيرة عام 1784م عرّف كانط التنوير بأنّه خروج الإنسان من قصوره الذي جناه على نفسه، وجعل شعاره: «تجرّأ على استعمال عقلك». وعلى هذا المعنى يبدو المتطرّف كائناً قاصراً، سلّم عقله لفقيه يفكر عنه، وواعظ يرسم له حدود الحلال والحرام، فاستبدل بحريّة النظر دفء القطيع.

على أنّ هذه المطرقة نبتت في تربتنا قبل أن تُصقل في معامل الغرب، فابن رشد قرّر في «فصل المقال» أنّ النظر الفلسفي مأمورٌ به شرعاً، واجب على القادرين عليه، وأنّ الحق يوافق الحق ويَشهَد له. وبهذا المنطق تغدو الفلسفة حارسة للدين من غلوّ الراديكاليين، وتغدو الحكمة بعبارته الشهيرة «الأخت الرضيعة» للشريعة. ومن ثمّ يسقط ادّعاء المتطرّفين أنّ العقل خصمٌ للوحي، فالخصومة الحقيقيّة قائمة بين الوحي وأفهامهم الضيّقة له، وبين الدين وتديّنهم المأزوم.
وأحوج ما نكون إلى هذه المطرقة في زمننا الراهن، والتطرّف يتسلّل عبر المنصّات الرقمية في تدوينات أو مقاطع خاطفة وشعارات مكثّفة، يستثمر جوع الشباب إلى المعنى ولهفتهم إلى اليقين، ويبيعهم أجوبة جاهزة بثمنٍ باهظ هو عقولُهم.

وقد أقرّت اليونسكو بأنّ المعالجات الأمنية، على أهميتها، عاجزة وحدها عن اقتلاع الجذور العميقة، فدعت إلى قوّة ناعمة قوامُها الفلسفة في التعليم والإعلام والثقافة والمجال العام. فالأمن يطارد جسد التطرّف والفلسفة تحاصر روحه، والأمن يُخمد الحريق والفلسفة تنزع فتيلَه. وحين نغرس في المناهج مهارات النقد والمنطق والاستدلال، والحوار والإصغاء إلى المخالف، نصنع عقولاً محصّنة تزن الأفكار بميزان البرهان، وتأبى الوصاية على الفهم، وتدرك أنّ الإيمان العميق يتّسع للسؤال ويزدهر به.

وبعد، فقد احترقت كتب ابن رشد في قرطبة، وبقي سؤاله حيّاً يطرق أبواب العصور. وتلك هي المفارقة الكبرى: النار تلتهم الورق، والفكرة تلتهم النار. فلنجعل من الفلسفة، في منابرنا ومجتمعنا وفضائنا الرقمي، مطرقةً تقرع أصنام التعصّب حتى يسمع الجميع رنين خوائها، ومصباحاً يهدي إلى إيمانٍ أرحب وعقلٍ أنبل، فالعقول التي تتّقد بالحكمة تظل عصيّة على كل محرقة، مهما تكاثر حولها حطّابو الظلام.
*كاتب إماراتي



إقرأ المزيد