جريدة الإتحاد - 10/29/2026 12:18:12 AM - GMT (+4 )

مظاهرات أوروبا.. بين اليسار والفوضى
تشهد فرنسا هذه الأيام موجةً من المظاهرات والاحتجاجات التي تشارك فيها تيارات مختلفة وفئات من المهاجرين ومن الأقليات التي أصبحت فرنسيةً بحكم الهجرة والقوانين المدنية والتاريخ الطويل، وإن اختار بعضُها العيشَ في كانتوناتٍ مغلقةٍ لعقودٍ ليست قليلةً من الزمن. ومَن يتابع الأخبار يشاهد الكثيرَ من صور التخريب والدمار يطال باريس المدينة التي كانت تعرف باسم عاصمة الأنوار.
مَن يقرأ تاريخَ العالم الحديث، والتاريخ الأوروبي على وجه التحديد، ويتابع تطورَ الفلسفات وصراعات الأفكار والدول، سيجد لزاماً عليه أن يتوقف أمام واحدةٍ من أخطر الفلسفات وأعظم التيارات التي خرجت في القرون الأخيرة من تاريخ البشرية، ألا وهي الفلسفة التي أنتجها كارل ماركس وفريدريك أنجلز والتي عُرفت لاحقاً باسم «الماركسية»، ثم تعددت مسمياتُها فيما بعد، بحسب تجلياتها في الواقع والتاريخ، فهي من جهةٍ «شيوعية» ومن جهةٍ أخرى «اشتراكية» ومن جهة ثالثة «يسار».. إلخ، ولكلٍ من هذه التجليات تعريفٌ وتأثيرٌ وامتداداتٌ فكرية وسياسية واقتصاديةٌ وأدبيةٌ.
تيارات اليسار بكافة تسمياتها وتجلياتها قويةٌ في أوروبا بشكلٍ عامٍ، فيما يُعد مؤشراً على الاتجاه نحو الفوضى بشكل دوري من فترةٍ إلى أخرى. ويمكن رصد هذا التجلي في دولٍ كبرى مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا.. إلخ، مما يؤكد العلاقة بين اليسار والفوضى.
لقد ظلَّت العلاقة بين اليسار والفوضى حاضرةً في القرن الماضي على الأقل، فحيثما قوي اليسار قويت فرص انتشار الفوضى، وهي إحدى العلامات البارزة التي أخذتها حركات الإسلام السياسي بشقيها السنّي والشيعي عن أوروبا الحديثة وتياراتها وأفكارها.
منذ الثورة الفرنسية حذر العقلاءُ، مثل جون آدمز وغيره من الآباء المؤسسين في أميركا، وكثيرٌ من الفلاسفة والمفكرين، من «سلطة الجماهير» كما عبّر عنها غوستاف لوبون، ومن سيطرة «الرعاع» كما سماهم جون آدمز، ومن كل مَن عبّر عن معنى أن تصبح «الجماهير» الجاهلةُ قائداً للمجتمعات بعيداً عن النخب العاقلة والمؤثرة.
وتكرار هذه الظاهرة في أوروبا جديرٌ برصد انتقال تأثير الفلسفات والتيارات على الدول والمجتمعات، وإن كان ضد مصالحها الوطنية والدولية.ومما علّمنا إياه التاريخ وأرشدنا إليه التفكير السليم وعرّفنا به الفكر الفلسفي أن البناء مكلفٌ جداً ويحتاج إلى جهود متراكمة في الزمان ومركزة في المكان وواعية بالحاضر ومستشرفة للمستقبل، بينما التخريب والتدمير سهلٌ، ولا يكلف أكثر من أن تصنع السخطَ أو تراكم الغضبَ وتواصل إبرازَ بعض المشكلات الحقيقية وتضخم من عدم حلها بين ليلةٍ وضحاها، وأن تستعجل الحلول وتتأفف من التنمية تحت شعارات «الديمقراطية» أو «الاشتراكية» أو «العدالة الاجتماعية».. فكل إنسانٍ مجبولٌ على محبة الازدياد والرغبة في الثراء والجموح نحو القمة، فمستقلٌ ومستكثرٌ.
إن وجود المشكلات السياسية والمعضلات المجتمعية التي تجمع بين سِمتي الاستمرارية والتكرر على مدد زمنيةٍ طويلةٍ، يشير إلى خطأ في الرؤية وخطأ في الفهم وخطأ في المعالجة.
وتكرار الأخطاء دون تبصرٍ وتدبرٍ يفضي إلى تغييرٍ، لكنه تغيير غير قادرٍ على إنهاء المشكلات والتصدي للمعضلات، مما يشير لمحاولاتٍ يائسةٍ لتكرار التاريخ وتجريب المجرّب، والتاريخُ لا يعيد نفسَه، وتجريب المجرّب ليس في عداد الحكمة. وأخيراً، وبحسب التوازنات القائمة فإن الواقع في العديد من البلدان الأوروبية غير قادرٍ على اجتراح حلٍ ينجيها من تاريخها الحديث الذي تتكرر فيه نفس الظواهر على مدى عقودٍ، دون إيجاد حلولٍ حقيقيةٍ قادرةٍ على فتح طريقٍ جديدٍ نحو المستقبل.
*كاتب سعودي
إقرأ المزيد


