جريدة الإتحاد - 10/30/2026 12:20:34 AM - GMT (+4 )

لا أدري لما عنّت عليّ كلمة محلية قديمة كانت متداولة بين أهل العين قديماً، حينما كانوا يصفون واحداً كذاباً أو ينهج الكذب طريقاً في كل وقت وحين بـ«الموح»، ورغم اندثارها، لكنها بحاجة لبحث لغوي وجذري ودلالي، وقد وجدتها في الدارجة الليبية، لكن مبعث الحديث هو فلسفة الكذب، والكذب الإلكتروني بالذات.
كل الناس تدعي أن حبل الكذب قصير، ورغم ذلك يكذبون، وبعضهم لا يبالي بها في وضح النهار، وما دام الحبل لم ينقطع سيظل يكذب، ويبني قصوراً في الرمال أو في إسبانيا على رأي المثل الفرنسي، ولا أحد من الناس ذكر أن حبل الصدق طويل أو أن حبله لا ينقطع، وتجد أكثرهم يتبع الكذاب لباب الدار، لكن في الطريق يقنعهم الكذاب أن لا الدار له، ولا الباب يمكن أن يفتح لهم، فيأخذهم لنهج آخر، على جوانبه أنهار من لبن وعسل، فيصدّقون ذاك السراب.
في دراسة تحليلية أجريت على عينات كثيرة من الناس في وسائل التواصل الجديدة منذ دخولها عوالمنا، فتبين أن الكذب كان السائد على ذلك المسرح الافتراضي، والصدق هو المتواري، وأن المعلومة السريعة عادة ما تكون كاذبة، ولا جذور لها، وأن الأشياء الكاذبة تنتشر أسرع وأكثر من الأشياء الصحيحة، لأن في تلك المساحات الوهمية لا ورق، ولا حبر، ولا صدق، غير أن الدراسة لم تسبر أعماق هذه التجربة، ولِمَ هي اليوم غدت ظاهرة، علينا تقصيها، وتقصي حقائقها؟ ولِمَ يذهب الناس نحو الكذب، ويحبون الكذب، ويريدون للكثير مما في حياتهم أن يصبح كاذباً؟ هل لأن الحقيقة واقع قاس؟هل الكذب مثل الأحلام نحب أن نعيشها، ولا نصحو منها؟ لِمَ ينجر ّ الناس وبسرعة نحو الكذب، كفراشات يجذبها وهج النار، ويتمنونه في دواخلهم لو كان صادقاً؟ في حين يجانبون الصدق، وبعض الصدق والواقع يتمنونه لو كان كذبة وستعدي، ولا يحبون أن يعيشوا لحظاتها باستمرار.
لذا لا غرو أن يتصدر الكذّابون منصات التواصل الاجتماعي، وبعض المنصات الإعلامية، لأنهم يجيدون ما تطلب، وما تتطلب تلك المهنة التي استسهلها الكثيرون فأمتطوا ظهور وسائل التعبير، ووسائل النقل والبث، وأدركوا بحسهم الصادق مدى تأثير الكذب في حياة الناس، حتى أنهم يطلبونه، وتيقنوا أن حبل الكذب ليس بالقصير دائماً، بدليل أن هناك الكثير ممن تصدروا، وتبوأوا منصات وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي ما برحوا يكذبون، ويكذبون منذ سنين، ولَم يكلوا، ولَم يملوا، لأن كثيراً من الناس ما زال يلهث وراءهم، وبالتالي وعملاً بعبارة منظّر الإعلام غير الصادق، ووزير الدعاية النازية «غوبلز»: «أكذب.. وأكذب حتى يصدّقك الناس»، هي السائدة في معظم العصور!
لا أدري هل ميزة الكذب، إذا كان بالإمكان أن نعد مميزاته، يخص الإنسان وحده، أم أن هناك كائنات حيّة أخرى كالحيوان تتمتع بتلك الميزة؟ نعرف أنه قد يمكر الثعلب، والمكر مصدره الذكاء، وبعض الكذب، ويمكن أن تتحايل بعض الزواحف، وتتستر خلف ألوان وأقنعة غير صادقة من أجل توفير صيدها أو هرباً من عدوها، لكن هل يكذب الأسد أو هل هو بحاجة ضرورية لكي يمارس الكذب في مساحة هو سيدها؟.
إقرأ المزيد


