جريدة الإتحاد - 10/30/2026 11:44:08 PM - GMT (+4 )

إسرائيل بعد الانتخابات.. توافقات أم تجاذبات؟
برغم توقعات مفادها أن الانتخابات البرلمانية لن تفرز واقعاً سياسياً جديداً في إسرائيل، وأنها ستكون استكمالاً لما سبق من حكومات رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو إلا أن البعض من داخل المجتمع الإسرائيلي وخاصة العسكريين السابقين، يرون أن المجتمع الإسرائيلي، الذي صوّت في الانتخابات البرلمانية واقعٌ تحت تأثير وسائل الإعلام الإسرائيلية، وأنه لا يستطيع الاختبار في بيئة إقليمية معقّدة ما تزال تنظر إسرائيل على أنها دولة غير مقبولة، بل ولن يقبل التعامل معها في سياق من تطورات سلبية ما تزال تعمل ضد المصالح الإسرائيلية. وحسب هؤلاء، لم يستطع الجمهور الإسرائيلي التعامل من مقاربة مختلفة في ظل ما يجري بالفعل، وهو أمر يحتاج مراجعة حقيقية لواقع إسرائيل في الوقت الراهن، خاصة أن أي حكومة مقبلة لن تستطيع ترميم الواقع الداخلي، وأنها ستتعامل انطلاقاً من حسابات معقّدة ومتداخلة من ائتلافات معتادة وسياسات توافقية لخدمة جمهورها، ولا يهم هنا النظر لمستقبل إسرائيل في ظل ما يجري من تحديات والقدرة على الاستمرار والحفاظ على ما تحقق وترميم الداخل الذي ما زال يواجه بأزمة مفصلية حقيقية.
وتعكس نتائج ما سيتحقق على الأرض واقعاً بائساً لمجتمع لن يستطيع أن يخرج من ضغوطات اليمين الذي سيظل الحاكم الرئيسي، وأن ليس لديه أية فرص لتقبّل حجم المتغيرات الجارية في إطار ما يجري، حيث تركزت المراهنات الكثيرة حول ترسيم إطار هندسي لشكل الحكومة وتصعيد نجوم جدد من داخل المنظومة العسكرية، ودون سوابق حقيقية لخبرات سياسية أو اقتصادية، برغم أن الدولة العبرية بأكملها تواجه بالفعل بأزمة هيكلية تتطلب مراجعة ما يجري لأن أي ائتلاف للحكم يجب أن يرسم سياسات جديدة، لا أن يستمر في نفس النهج الراهن أو العمل وفق توافقات ما كان يجري، وبمعنى أدق الاستمرار في تبنّي سياسات نتنياهو الحالية، وعدم الخروج عنها، ما قد يطرح بالفعل إشكالية مهمة متعلقة بالداخل أولاً قبل النظر سياسات إقليمية، وفي ظل مخاوف من استمرار سيطرة اليمين الديني على مقاليد الأوضاع، خاصة أن أغلب الشخصيات التي خاضت الانتخابات الراهنة معلوم تاريخها السابق، وأنها لن تأتي بجديد وبصورة حقيقية، خاصة أن إسرائيل لا تواجه مشكلة تشكيل حكومة بالفعل، وأن السيناريوهات التي استبقت الانتخابات رسمت واقعاً هندسياً لما سوف تطرحه الانتخابات وتعامل الجمهور الإسرائيلي مع ما يجري.
إن خروج نتنياهو من المشهد ليس هو الحل، وتولّي حكومة بقيادة الجنرال آيزنكوت أيضاً لن يكون البديل الذي يستطيع إنقاذ إسرائيل من أزمتها المفصلية التي وصلت إلى حافة الهاوية، ما دفع الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوج للتحذير من تداعيات ما يجري على أمن إسرائيل واحتمالات وصول إسرائيل إلى الحرب الأهلية، مما يفزع المجتمع الإسرائيلي بالفعل ويدفعه نحو توافق، ولو شكلياً، لمواجهة ما يجري، الأمر الذي يعني أن إسرائيل مطالبة بعد الانتخابات ومع الحكومة الجديدة العودة للتوافق وبناء مناعة وطنية جديدة، بصرف النظر عن نتائج الانتخابات واحتمالات تغيير الوجوه الحاكمة، وهو أمر مطلوب ويحتاج فقط إعادة ترتيب السياسات والتوجهات والبناء على ما قد يتم، خاصة بين حكومات الائتلاف في إسرائيل.
ومن واقع تاريخها الحزبي لن تكون إسرائيل قادرة على إفراز أية سياسات قد تكون مقبولة من كل الأطراف من داخل الائتلاف ومن خارجه، ما يعطي المؤشرات المقبلة بأن إسرائيل في حاجة إلى توافقات ائتلافية حقيقية متماسكة، وليس التحذير من أن القوى الحزبية لن تستطيع العمل معاً، ما يُسقط دعوة نتنياهو المكررة بأن الضرورة الراهنة تتطلب بالفعل الذهاب حكومة وحدة وطنية وجمع كل إسرائيل في سياقها، الأمر الذي ظل مطروحاً قبل قليل من إجراء الانتخابات، إلا المقابل الذي طرحه الجنرال آيزنكوت بأنه لن يقدم على الائتلاف مع نتنياهو، وأنه سيتجه إلى مسار آخر، ما يعني في المجمل أن التوافقات لن تكون متاحة أو أنها ستعمل في الوقت الراهن وانتظار ما سيلي من إعادة تشكيل الواقع الحزبي بأكمله، وليس فقط ترجيح كفة ليكود في مواجهة القوى الصاعدة، خاصة أن خبرات ليكود المتراكمة ستؤدي إلى مزيد من الحسابات الأخرى المقابلة.
سياسة إسرائيل ما بعد الانتخابات الحالية ستكون توافقية تجاه الجوار الإقليمي في إطار التحرك في مساحات من واقع عسكري يفرض استراتيجية توسُّع، ويطبّق الرؤية الأمنية والعسكرية في مناطق تماس إسرائيل الاستراتيجي، مع الاستمرار في فرض ترتيبات أمنية من جانب، ومحاولة جمع الجمهور الإسرائيلي حول ما يجري في ظل إعادة تدوير ملفات إيران ومخاطرها من جانب آخر، مع بقاء «حزب الله» و«الحوثيين» في دائرة المواجهة.
أما عن الدخل، فلن تكون هناك أية تغييرات حقيقية فيما سيجري في ظل الوضع المتأزم بالفعل، والذي سيحتاج سنوات للخروج عنه في ظل استمرار فرض قوانين سيئة السمعة، وأهمها التعامل مع ملف الحريديم وفرض الولاء والانتماء وبناء مناعة الدولة في مواجهة جمهور مرتبك لم تكن أمامه فرص حقيقية للاختيار في ظل سطوة الميديا ومراكز التأثير، والقوى، التي انتخبت لاستمرار المشهد وتطويعه لحساباتها وأهدافها.
*أكاديمي مصري متخصص في الشؤون الاستراتيجية.
إقرأ المزيد


