على مائدة «العشاء الأخير» -1-
‎جريدة الإتحاد -

أجمل الأحاديث تلك التي تأتي بها الأمكنة الزاخرة بالحكايات، المستندة على ترحال الناس، وتعداد الحضارات، وفي مساءات مختلفة، وعامرة بأصدقاء لا يجمعهم إلا شغف المعرفة، ودهشة الأسئلة، ذلك هو حديثنا الذي كان على مائدة «العشاء الأخير» في مدينة ساحلية إيطالية تستطيع أن تعد ما في سمائها، لصفائها، وتجد لروحك ملاذاً فيها، جمعتنا نحن زوارها، من بلدان واتجاهات وأعراق وثقافات مختلفة تلك المائدة العشائية الأخيرة في ختام مهرجان سينمائي، لا يجعلك تخرجك منه، مثلما دخلته لأول مرة.
بدأ الحديث عن أغلى لوحة بيعت في العالم مؤخراً، لفنان عصر النهضة «ليوناردو دافينشي» بـ450 مليون دولار، والمسماة «سلفاتور موندي» وهي تمثل وجه المسيح ويديه، ثم غيرت الحديث بالتطرق للوحة «دافنشي» الخالدة بنظري، لا هذه، ولا «الجيوكاندا أو الموناليزا» بل جداريته الموجودة في كنيسة «سانتا ماريا ديل غراسي» في ميلانو التي زرناها قبل أيام ووقفنا أمامها بذاك الخشوع والتأمل، والتي تعرف بـ«العشاء الأخيرThe last supper»، وتُسمّى بالإيطالية:
«Il Cenacolo» وتعني العُليّة أو الغرفة التي اجتمع فيها المسيح مع حوارييه، وتُعرف أيضاً باسم «L’Ultima Cena» أو العشاء الأخير، لأنها الأكثر عمقاً، بما تحمله من أسرار، تخص اللوحة والمواد المستعملة فيها أو تخص الفنان نفسه أو تخص المعتقد الديني أو المسيح والحواريين أنفسهم، وربما بالغت فيها رواية «شيفرة دافنشي» للكاتب «بروان»، وغيرهم من الكتّاب الذين تناولت رواياتهم موضوع المسيح وجدارية «العشاء الأخير» لـ«دافنشي».
لكنني في الحقيقة كنت أرمي من خلال الحديث الذي له شجون، فنحن العرب من اخترع ذلك، كان المقصد الولوج لموضوع الشر في الإنسان، وهو عكس طبيعة المسيح المتسامحة، الشر هل هو متأصل في النفس البشرية أم شيء مكتسب بفعل ظروف كثيرة؟ وهل يمكن للإنسان أن يعيش من دون شر؟ وهل للشر علامات يفضحها الوجه، أم له مقدرة على الحيلة والتخفي حتى ينجح في مسعاه؟ لقد كان الواشي «يهوذا الاسخريوطي» خائن المسيح موجوداً ضمن الحواريين الاثني عشر، يقتسم معهم اللقمة و«الدم المقدس»، وإن أظهرته الأدبيات والأعمال الفنية لاحقاً، وهو يصر الدراهم الثلاثين، ثمن الوشاية والخيانة، ويوقع المملحة، ويقبض على الخبز الذي خانه، وهو الوحيد الذي من دون هالة من النور تعلو رأسه دون الحواريين في لوحة العشاء الأخير، وهو الرقم الثالث عشر المشؤوم في أدبيات وثقافات الكثير من شعوب العالم.
تململ البعض، وتحفز البعض الآخر، لكن كل واحد وواحدة من المستديرين حول تلك الطاولة الخشبية في المدينة الساحلية الإيطالية، قال ما يعتمل في صدره تجاه موضوع مهم سحبه الإنسان معه منذ الخطيئة الثانية، وقتل قابيل أخيه هابيل، إلى وقتنا الراهن، ومن التعليقات الكثيرة والمتداخلة التي أعيد صياغتها من أحاديثهم… وغداً نكمل



إقرأ المزيد