جريدة الإتحاد - 11/1/2026 12:24:27 AM - GMT (+4 )

كان حلماً قديماً منذ نشأة الصبا، نسجته ثقافات الشعوب وآدابها التي انتشرت في الدول العربية، ومنقولة إليها عبر الترجمة من لغاتها الأصلية: الفرنسية، والألمانية، والإسبانية، والهندية، والفارسية إلى اللغة العربية. لكن ترجمتها إلى العربية لم تتم مباشرة عن تلك اللغات، إذ إن أغلبها تُرجم عن اللغتين الإنجليزية والفرنسية، بحكم التاريخ الاستعماري وحضور هاتين اللغتين في الدول العربية.
دفعني شغفي بالقراءة إلى الإيغال في آداب الشعوب المترجمة إلى اللغة العربية. وكان من بين تلك الثقافات مختارات من الأدب الإسباني، كرواية «دون كيخوته» لميغيل دي ثيربانتس. ومن الشعراء الذين استحضرتهم ذاكرتي: فيديريكو غارثيا لوركا، وأنطونيو ماتشادو، ورافائيل ألبرتي، ومن الرسامين: بابلو بيكاسو وسلفادور دالي.
بالإضافة إلى الكثير من الكتب التي أرَّخت للفتح العربي لإسبانيا، وغيرها الكثير مما لا تسعفني الذاكرة لاستحضاره الآن، لكنه ظلَّ قابعاً في لاوعي الصبا والشباب. ومازالت كتب تلك المرحلة باقية حتى اليوم على أرفف مكتبتي، وهي تحمل تاريخ صدورها منذ أواخر الستينيات. كل تلك القراءات للأدب الإسباني، وشغفي بالموسيقى الإسبانية، غرسا في داخلي رغبة فتية وحلماً استعصى عليَّ تحقيقه بزيارة إسبانيا، فقد كنت أتمنى دائماً زيارتها، لكن طرقات حياتي لم تؤدِّ بي إليها، فبقيت أمنية طيَّ خزائن الذاكرة إلى اليوم.
أنا الآن أتذكر كل هذا وأنا في إسبانيا، لحضور حفل زفاف ابني من فتاة إسبانية التقاها في الإمارات. وتذكرتُ قرار ابنتي سابقاً، حين قررت بعد تخرجها في الجامعة الأميركية بالشارقة كمهندسة معمارية، وعملها في شركة عقارية كبرى، أن تذهب إلى إسبانيا لدراسة اللغة الإسبانية، ثم عادت لتعمل باللغة الإنجليزية السائدة في بلداننا.
وأنا لا أتذكر أبداً أنني تحدثتُ إلى أولادي عن حلمي القديم بزيارة إسبانيا، وشغفي بآدابها وشعرائها وثقافتها وموسيقاها. ولا أذكر أيضاً أنني في ذلك الزمن الفتيِّ البعيد كنت أكتب مذكراتي التي تحوي أمنياتي وأحلامي ورغباتي الخفية، حتى أظنَّ أن ابنتي وابني قد اطلعا عليها وهما صغيران، فانغرس الحلم وتجذّرت الأمنية في ذاكرتيهما وأحلامهما، فكيف حدث أن شُغفت ابنتي بدراسة اللغة الإسبانية، وأن يتزوج ابني بفتاة إسبانية، وأن يتعلّم ابن أخي العزف الموسيقي الإسباني على الغيتار، بل ويدعو فرقة فلامنكو إسبانية للعزف في البحرين!.
إنَّ سبب هذا القول كله هو هذا السؤال الحائر: هل تنتقل أحلامنا ورغباتنا الخفية وطموحاتنا التي لم تتحقق إلى أبنائنا فيرثونها في خبايا الذاكرة، كما يرثون الكثير من صفاتنا الجينية؟.
إقرأ المزيد


