جريدة الإتحاد - 11/1/2026 11:13:22 PM - GMT (+4 )

روسيا.. الهوية والتوجهات
في موسكو، حيث كنتُ الأسبوع الماضي، شاركتُ في مؤتمر «الجسور الروحية بين روسيا وأفريقيا»، الذي نظّمته إدارة الشؤون الدينية في الفيدرالية الروسية بالتعاون مع جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، بحضور عدد هام من القيادات الدينية الروسية والأفريقية.. كان السؤالُ الذي أردنا طرحَه بهذه المناسبة يتعلق بخلفيات التوجهات الروسية الجديدة في العالم الإسلامي وأفريقيا، في السياق الراهن الذي لا تَخفى سماتُه ومحدداتُه.
لا بدّ قبل محاولة الإجابة عن هذا السؤال، أن نؤكد أن روسيا الحالية، وإن كانت قد تصالحت مع ماضيها السوفييتي، فإنها تنظر بعين مختلفة لدورها في آسيا وأفريقيا، لسبب بدهي هو غياب العامل الأيديولوجي (النموذج الماركسي) في سياستها الخارجية ورؤيتها للنظام الدولي. ولئن كانت روسيا في السنوات الأخيرة، قد أظهرت حرصاً قوياً على استئناف منزلتها المحورية في المنظومة العالمية، فليس المقصود هو الرجوع لمنطق الحرب الباردة المتجاوزة. لقد أصبحت روسيا في الوضع الراهن، حاملة لواء الدفاع عن القيم المحافظة والنزعة السيادية، في مواجهة ما تعتبره انهيارَ المعايير الخلُقية والدينية في الغرب وانحسار الانتماء القومي فيه. وهكذا تكون روسيا الجديدة، هي في آن واحد خط الدفاع القوي عن القيم المحافظة والأفكار الليبرالية الكلاسيكية، على الرغم من طبيعة نظامها السياسي الخاص.
ومع أن روسيا دخلت في صراع حاد مع أوروبا والولايات المتحدة بعد حروبها الأخيرة التي تركّزت في جناحها الأوروبي (خصوصاً بعد حرب أوكرانيا المتواصلة)، إلا أن الأمر لا يعني العودة للصراع القطبي السابق، بل هو في حقيقته رجوع لمعادلة جيوسياسية ترجع إلى ما قبل تأسيس الاتحاد السوفييتي بعد الثورة البلشفية عام 1917. ودون الخوض في الجدل الفكري الحاد بين النُّخَب الروسية في القرن التاسع عشر حول ما سمي بالفكرة الروسية، ما بين الاتجاه الغربي والاتجاه السلّافي، نلاحظ أن هذا الجدل أخذ اليوم منحى جديداً، يتركز حول ثلاثة سياقات أساسية: طبيعة الدولة، والعلاقة بالتقليد الديني والثقافي، والمنظور الجيوسياسي. بخصوص الدولة، نشهد في الفكر الروسي الراهن رفضاً قوياً للدولة الليبرالية الوطنية القائمة على الفردية التنافسية، من منظور الدولة الإمبراطورية أو الحضارية التي تختلف في بنائها السياسي والمجتمعي عن الدولة القومية السائدة في الغرب.
منذ عام 2023 أصبحت عبارة الدولة الحضارية من مرتكزات الخطاب السياسي الروسي، وقد استخدمها الرئيسُ فلاديمير بوتين نفسُه في مقاربته للعالم الروسي الواسع، كما بلورها فلسفياً كتّاب قريبون مِن الكريملين، معتبرين أن هذا المفهومَ يَجمع بين روسيا والصين والهند من حيث كون هذه البلدان ليست كيانات وطنية بالمعني الغربي، بل وحدات حضارية لها تركيبتها المجتمعية الخاصة التي تحدد طبيعةَ نُظمها السياسية. أما العلاقة بالتقليد، فتبدو قوية في الخطاب السياسي الرسمي، رغم تبنّي دستور الدولة الخيارَ العلماني الصريح. ففي التعديلات الدستورية التي أُقرّت عام 2020، تم النص الجلي على واجب الوفاء «للأجداد الذين نقلوا لنا مُثلَهم وإيمانَهم بالله»، وفي استراتيجية الأمن القومي الروسية رفضٌ قوي لما تعتبره موسكو سياسةَ الغرب الرامية إلى تقويض القيم التقليدية والمُثل الروحية، بما يشكّل - حسب هذه الوثيقة الاستراتيجية - نمطاً مِن الفاشية الجديدة. وتتعين الإشارةُ هنا إلى أن هذا الاتجاه يجد أصداءَ واسعةً لدى التيارات المحافظة في أوروبا، الداعية إلى التمسك بالجذور الروحية والثقافية التقليدية للمجتمعات والأمم، في مواجهة «العدمية الليبرالية القصوى».
أما المنظور الجيوسياسي، فيظهر جلياً في الخطاب الرسمي الروسي، وفي رفضه المعلن لمنطق القطبية الأحادية والنظام الليبرالي الدولي المرتكز على الجناح الأمني الأطلسي. ومع أن الرئيس بوتين صرّح عام 2005 أن انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991 كان «أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين»، إلا أنه يجب أن لا يُفهم مِن هذا الكلام أنه يتبنّى الرجوعَ إلى قواعد اللعبة الدولية السابقة. فمن الواضح أن السياق تغيَّر نوعياً بعد تفكك الإمبراطورية الحمراء وتمدَّد الحلف الأطلسي (الناتو) إلى دول عديدة من أوروبا الشرقية كانت سابقاً تحت النفوذ السوفييتي، إلا أن القيادة الروسية الحالية لا تتردد في اعتماد خطاب الصدام مع الغرب.
وهكذا ترتكز المقاربةُ الروسيةُ الحاليةُ على ثلاثة مقومات هي: التحكم التام في ما تسمّيه «الأجنبي القريب»، أي المناطق والبلدان التي تنتمي إلى العالم السوفييتي السابق، خصوصاً البلدان التي تضم أقليات روسية معتبرة.. والسيطرة على المجال الأوروآسيوي الرابط بين أوروبا وآسيا الذي تُشكّل روسيا قلبَه، وتنتمي إليه أيضاً بلدانُ القوقاز والبلقان، كما يرتبط بقوة بالصين التي هي القوة الدولية الصاعدة والمنافسة الأولى للولايات المتحدة والغرب.. وتَصَدُّر كتلة الجنوب الشامل التي تتمحور حول تجمُّع «البريكس» وتحتضن المجموعات الأفريقية واللاتينية الأميركية.
*أكاديمي موريتاني
إقرأ المزيد


