جريدة الإتحاد - 11/2/2026 12:21:07 AM - GMT (+4 )

قد تنجز المؤسسات في المستقبل أعمالاً أكثر بموظفين أقل، وتتخذ قرارات بشرية أقل عدداً، لكنها ستكون قرارات أثقل وزناً وأكثر حساسية. مفارقة يطرحها تقرير دائرة التمكين الحكومي - أبوظبي تحت مسمى «مفارقة القوى العاملة الأخفّ حجماً»، والتي تختصر جانباً مهماً من مستقبل العمل في عصر الذكاء الاصطناعي.
فكلما تولّت الأنظمة الذكية مزيداً من المهام الروتينية، تراجعت الحاجة إلى التدخل البشري في التفاصيل التشغيلية، لكن قيمة القرار الإنساني ترتفع، وتصبح تبعاته أكبر. وهنا لا يعود التحدي في مدى قدرة الآلة على الإنجاز، بل في قدرة الإنسان على الاحتفاظ بدوره في التقدير والحكم الأخلاقي والتعامل مع الاستثناءات وتحمل المسؤولية، فالتحول نحو الذكاء الاصطناعي ليس مشروعاً تقنياً فحسب، بل إعادة تشكيل لطبيعة الوظائف، وحدود المسؤوليات، وآليات اتخاذ القرار داخل المؤسسات. ولا يكفي أن نحدد ما يمكن إسناده إلى الأنظمة الذكية، بل ينبغي أن نعرف أيضاً ما يجب أن يبقى بيد الإنسان، ومن يُسأل عن النتائج إذا أخطأت الآلة.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في أبوظبي، وهي تمضي نحو تحقيق طموحها بأن تصبح أول حكومة قائمة على الذكاء الاصطناعي في العالم بحلول عام 2027. فقد أكمل أكثر من 95% من موظفي الحكومة تدريباً في هذا المجال، بينما يجري تشغيل أكثر من 100 حالة استخدام للذكاء الاصطناعي في أكثر من 40 جهة حكومية. مؤشرات تعكس اتساع التحول، لكنها تضع في الوقت نفسه مسؤولية مضاعفة على المؤسسات في إعداد كوادر قادرة على إدارة هذا التحول.
ويرسم التقرير أربعة سيناريوهات لمستقبل العمل حتى عام 2040، ويختار «التكامل بين الإنسان والذكاء الاصطناعي» نموذجاً مفضلاً، تتولى فيه التكنولوجيا الأعباء الإدارية والتشغيلية، بينما يحتفظ الإنسان بمسؤولية القرارات الجوهرية، وفهم السياقات الدقيقة، والإبداع، وإدارة العلاقات. نموذج لا يتحقق تلقائياً، وإنما يحتاج إلى إعادة تصميم الوظائف، وترسيخ الثقة، ووضع أطر واضحة للمساءلة، بحيث لا تتحول الأتمتة إلى مساحة تضيع فيها المسؤوليات بين الإنسان والآلة.
والأهم أن قيمة الموظف في المرحلة المقبلة لن تقاس بعدد المهام التي ينجزها، بل بقدرته على اتخاذ القرار السليم حين تتجاوز المسألة حدود ما تستطيع الخوارزميات معالجته. ويتطلب ذلك استثماراً موازياً في تنمية المهارات البشرية، وتحديث معايير تقييم الأداء، حتى لا تقاس كفاءة المؤسسات بحجم ما تؤتمته، بل بجودة قراراتها وقدرتها على صون الثقة.
الذكاء الاصطناعي قد يقلّل أعباء العمل، لكنه لا يستطيع أن يخفف عن الإنسان مسؤولية القرار. وتلك هي المعادلة التي ستحدد نجاح المؤسسات في المستقبل.
إقرأ المزيد


