ماتت أم أننا قتلنا دهشتها؟
‎جريدة الإتحاد -

ثمة عبارة تتردد كلما أفرزت كرة القدم ما لا يروق لنا، أو انتهت مباراة بما لا نشتهيه، أو اعتلى منصة التتويج من لم يكن مرشحنا المفضل: «ماتت كرة القدم». وكأن هذه اللعبة الجميلة كائنٌ هش، يمكن أن يلفظ أنفاسه الأخيرة بقرار تحكيمي، أو جائزة فردية، أو مشروع استثماري، أو حتى نتيجة مباراة!
لكن، هل تموت كرة القدم حقاً؟ أم أننا نحن الذين نرهقها، ونحاصر روحها، ونمعن في تحويلها من لعبة صنعت البهجة الجماعية إلى صناعة ضخمة لا ترى في العشب الأخضر سوى أرقام ومداخيل وأسواق؟ حين تُوّج هاري كين بالكرة الذهبية، واحتل كيليان مبابي المركز الثاني ولامين يامال المركز الثالث، خرج من يردد بأن تتويج المهاجم الإنجليزي هو «موت كرة القدم».
قد نختلف في الاختيارات، وقد نرى أن لاعباً آخر كان أحق بتلك الكرة الذهبية، لكن أن نحوِّل اختلاف الأذواق إلى مأتم كروي، فذلك ضرب من المبالغة التي لا تخدم اللعبة ولا تنصف تاريخها. لقد سمعت كرة القدم هذه العبارة من قبل، وربما في لحظة كانت فيها أكثر استحقاقاً للخوف. ففي أبريل 2021، حين حاولت أندية نافذة اختطاف اللعبة من فضائها الشعبي، بإعلان مشروع دوري السوبر الأوروبي، بدا وكأننا أمام محاولة انقلاب على ذاكرة الكرة وجمهورها. يومها انتفض المشجعون، خصوصاً في إنجلترا، وأسقطوا المشروع قبل أن يرى النور. كان ذلك انتصاراً نادراً للمدرجات على حسابات المال، وانتصاراً للكرة التي نحب على الكرة التي يريدها أصحاب النفوذ. أما اليوم، فثمة أسباب حقيقية للقلق. روزنامة مختنقة، مسابقات تتوالد بلا توقف، أسعار اشتراكات تطرد الجماهير من شاشاتها، ومؤسسات كروية باتت تتعامل مع المتفرج باعتباره مستهلكاً أكثر منه شريكاً في الحكاية. حتى كأس العالم، بما تحمله من رمزية كونية، لم تعُد بمنأى عن الجدل والقرارات المثيرة للريبة. ومع ذلك، لا يجوز أن نخلط بين أزمة تدبير اللعبة وموت اللعبة نفسها. فكرة القدم لا تزال تنجب مواهب تدهشنا، ومدربين يجددون أساليبها، وأندية صغيرة تقاوم جبروت المال، وجماهير تسافر خلف ألوانها ولو إلى آخر الدنيا.
تلك هي كرة القدم التي تستحق أن ندافع عنها. لذلك، لا أعتقد أن كرة القدم ماتت، ولكنني أخشى أن نكون بصدد قتل أجمل ما فيها.. عفويتها، شعبيتها، دهشتها، وقدرتها على أن تجعل الملايين يتوحدون حول كرة واحدة. فالكرة لا تموت حين يفوز من لا نحب، ولا حين يخسر من نشجع، ولا حين تخطئ جائزة في تقدير المستحق.
إنها تموت حين يصبح المال أقوى من الجمهور، وحين تتحوّل المتعة إلى سلعة، وحين نفقد القدرة على الدهشة وحين تُسرق كرة القدم من ناسها. وكما قال إيان مالكوم في «حديقة الديناصورات»: الحياة تجد دائماً طريقها. وكرة القدم، مهما أثقلناها بالجشع والقرارات والجدل، ستجد طريقها أيضاً.. شريطة ألا نغلق نحن كل البوابات أمامها.



إقرأ المزيد