جريدة الإتحاد - 1/6/2026 11:26:08 PM - GMT (+4 )
انتهجت دولة الإمارات العربية المتحدة، منذ تأسيسها، سياسة خارجية تقوم على دعم الاستقرار، وصون الأمن الإقليمي، ومساندة الشعوب في مواجهة الأخطار التي تهدد أمنها ومستقبلها. ومن هذا المنطلق، جاء حضور الإمارات ضمن قوات التحالف العربي في اليمن تعبيراً عن التزام واضح بحفظ الأمن القومي العربي، والتصدي للتنظيمات الإرهابية التي سعت إلى استغلال حالة الفوضى لفرض نفوذها وتهديد أمن المنطقة.
لم يكن دخول دولة الإمارات إلى اليمن قراراً منفرداً أو مدفوعاً بمصالح ضيقة، بل جاء في إطار عمل عربي مشترك، استند إلى مسؤولية جماعية تجاه أمن المنطقة واستقرارها. وكان انضمام الإمارات إلى «عاصفة الحزم»، خطوة حاسمة وفارقة في مواجهة الميليشيات الطائفية التي سعت إلى زعزعة أمن اليمن وتهديد المنطقة العربية بأسرها، في وقت كانت فيه أذرع طائفية عدة تمارس نشاطاً محموماً في عدد من دول المنطقة، كما يعود هذا الدخول أيضاً إلى وعي دولة الإمارات بضرورة كبح تمدد الجماعات الإرهابية المسلحة التي خططت لاستغلال الفوضى في اليمن بعد الاجتياح «الحوثي» لتوطيد أركان وجودها، وفرض واقع جديد بالقوة، بما يشكل خطراً مباشراً على الأمن الإقليمي ويُنذر بمزيد من المشكلات المعقدة التي ستواجه اليمن والمنطقة ككل.
وجاء هذا الدور الإماراتي في وقت كان فيه العالم العربي يمر بمرحلة من الاضطراب والتحديات غير المسبوقة، وفي ظل تعرض دول عربية عدة للاهتزاز بسبب الصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية، لتكون الجهود الإماراتية السياسية والدبلوماسية والاقتصادية، إلى جانب الجهود العسكرية، عامل توازن مهمّاً، أكد أهمية العمل الخليجي العربي المشترك في مواجهة التهديدات، والحفاظ على أمن المنطقة واستقرارها.
ولم تتردد دولة الإمارات في خوض غمار المعارك الصعبة التي نجحت في احتواء الخطر الطائفي المحدق، ودحرت الميليشيات المعتدية؛ بفضل تصميم القيادة الرشيدة، وصدق عزيمة أبناء الإمارات الذين سطروا ملاحم البطولة والفداء على امتداد سنوات في أعقد مسارح العمليات وأخطرها. وبالقدر نفسه، كانت المساعدات الإماراتية تتدفق على الأشقاء في اليمن، وتمد شرياناً للحياة لملايين المحتاجين إلى الإغاثة والعون الصادقين، وتعيد تأهيل البنية التحتية، وتوفر الخدمات الضرورية، بما يعكس رؤية شاملة للأمن تقوم على الاستقرار والتنمية معاً.
وبقدر إدراكها خطر الميليشيات الطائفية، كانت دولة الإمارات تدرك جيداً، وفي وقت مبكر، أن ترك الساحة اليمنية عرضة للتطرف والإرهاب المنظم سيؤدي إلى تداعيات تتجاوز حدود اليمن، وتمس أمن دول الجوار والممرات الحيوية، وتفتح المجال أمام قوى لا تؤمن بالدولة ولا بالعيش المشترك.
ومنذ عام 2015، التزمت الإمارات برسالة واضحة المعالم في اليمن، قوامها دعم الاستقرار، ومساندة مؤسسات الدولة، والمساهمة في مكافحة التنظيمات الإرهابية. وقد دفعت الإمارات ثمن هذه الرسالة تضحيات كبيرة، حين قدّمت نخبة من أبنائها شهداء، امتزجت دماؤهم بدماء أشقائهم من قوات التحالف، في مشهد جسّد وحدة الصف ووحدة المصير، ورسّخ معنى التضامن العربي بعيداً عن الشعارات.
ولم تكن الإمارات يوماً باحثة عن مجد سياسي أو نفوذ جغرافي، كما لم تكن لها مطامع في أرض اليمن أو قراره السيادي. فسياساتها المعلنة والثابتة تؤكد احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، إلا في إطار المسؤولية المشتركة لمواجهة الأخطار الكبرى التي تهدد الأمن والسلم الإقليميين. وما حرّك الدور الإماراتي في اليمن هو التخوّف المشروع من عودة التنظيمات الإرهابية، وما تحمله من مخاطر على المجتمعات المحلية، وعلى استقرار المنطقة بأسرها.
وإذ تغادر دولة الإمارات العربية المتحدة أرض اليمن بإرادتها، فإنها تفعل ذلك موقنة بأن التضحيات التي قُدّمت قد أسهمت في ترسيخ دعائم الاستقرار، ومنعت التنظيمات المتطرفة على امتداد عقد كامل من بسط نفوذها أو استلاب القرار في القرى والمدن اليمنية. كما تأمل أن تتمكن المؤسسات الوطنية اليمنية من مواصلة دورها في حماية الأرض والإنسان، وصون مكتسبات الأمن التي تحققت.
إن التجربة الإماراتية في اليمن تقدّم نموذجاً لنهج متوازن في التعامل مع الأزمات الإقليمية، يجمع بين الواجب الأمني والبعد الإنساني، ويبتعد عن الخطاب التصعيدي، ويرتكز على العمل الهادئ والشراكة والمسؤولية. وهي رسالة تؤكد أن مكافحة الإرهاب ليست معركة عسكرية فحسب، بل مسار طويل يتطلب بناء الدولة، وتعزيز الوعي، ودعم الاستقرار المستدام.
إن دولة الإمارات ستواصل أداء دورها الإقليمي برؤية عقلانية ومسؤولة، لأنها تعتقد يقيناً أن أمن المنطقة واحد، وأن مواجهة الإرهاب واجب أخلاقي وسياسي، وأن السلام الحقيقي يبدأ حين تُصان كرامة الإنسان ويُحمى حقه في العيش بأمن واستقرار.
*كاتب إماراتي
إقرأ المزيد


