من قُرطبة إلى أبوظبي.. جسور التسامح الممتدة عبر الزمن
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 خلال زياراتي لقرطبة، وأنا أسير في أزقّتها القديمة، أتأمل ما تركه العرب من آثار عظيمة فيها، شعرت وكأنني أمام ذاكرة نابضة بالحياة، استشعرت كيف كان المجتمع الأندلسي حينها ينعم بالتسامح والسلام، تخيّلت حواراً يجمع فقيهاً مسلماً وطبيباً مسيحياً وفيلسوفاً يهودياً، يتبادلون الأفكار بروح احترام أصيلة، في مشهد يصدّقه قول المؤرخ ليفي بروفنسال: «قرطبة لم تكن فقط عاصمة المسلمين في الأندلس، بل عاصمة الروح الأوروبية ومنارة الفكر الحُر، التي جمعت تحت سقفها الفيلسوف المسلم والكاهن المسيحي والحاخام اليهودي». 
لم تكن قرطبة مجرد مدينة، بل فكرة حضارية تؤكد أن التعايش ليس حلماً، بل قيمة اتسمت بها الحضارة العربية في الأندلس، التي عاش الناس فيها بمعتقداتهم وانتماءاتهم المختلفة كشركاء في مجتمع ينعم بالسلام، فاستحقت لقب مدينة النور، لا لإضاءة شوارعها فحسب، بل لعِلم ومعرفة ملأت صدور أهلها.
أمام هذا المشهد تذكّرتُ قوله تعالى: «وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا»، هنا أدركت أن الاختلاف ليس مشكلة، بل سنّة من سُنن الله ومصدر إلهام معرفي، ففي قرطبة اتّسع أفق الحقيقة للجميع، وكانت الحكمة غاية تُلتقط أينما وُجدت.
لقد كان الإسلام في الأندلس امتداداً لمشروع حضاري عالمي بدأ بوثيقة المدينة وشهد إقامة بيت الحكمة ببغداد، حيث تأسّست فكرة المواطنة المشتركة واحترام الآخر. ومن هذا الإرث انطلقت روح قرطبة التي آمنت بأن الحضارة تُبنى بالانفتاح لا بالعزلة.
ولم تتوقف هذه الروح بانتهاء الحضارة العربية في الأندلس، بل وجدت امتدادها اليوم في دولة الإمارات، التي جعلت من التسامح نهجَ دولة وثقافةَ مجتمع، تجلّى في وزارة التسامح والتعايش، وبيت العائلة الإبراهيمية، وعام التسامح، وغيرها من المبادرات التي تحوّلت إلى جسور حضارية تمتد من قرطبة إلى أبوظبي.
وفي أرجاء قرطبة، تذكرتُ إحدى المبادرات الرائدة، مبادرة «الأندلس.. تاريخ وحضارة» برعاية سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة، نائب رئيس مجلس الوزراء، رئيس ديوان الرئاسة، وهي المبادرة التي جاءت للاحتفاء بالحضارة الأندلسية وتراثها المعرفي والثقافي، وإبراز تجلياتها وإسهاماتها العظيمة التي تركها العلماء المسلمون على امتداد ثمانية قرون، وتوّجت المبادرة بمعرض «الأندلس.. تاريخ وحضارة» في مركز جامع الشيخ زايد الكبير.
 وأنا أودّع هذه المدينة استحضرني درب التسامح في جامع الشيخ زايد الكبير، كمسار ثقافي يستقبل ضيوف الجامع من مختلف الأعمار والثقافات، ويقدم لغة مشتركة للتعايش والاحترام.
إن حديثي عن قرطبة اليوم ليس حنيناً للماضي، بل دعوة للمستقبل: لنبنِ جسور الحوار بدل جدران العزلة، فالعالم يحتاج إلى من يحمل مشعل التسامح، كما حمله الأندلسيون يوماً. 
*كاتب إماراتي



إقرأ المزيد