جريدة الإتحاد - 1/6/2026 11:33:23 PM - GMT (+4 )
قامت الدُّنيا ولم تقعد عندما استعمل الكاردينال لويس ساكو مصطلح «التَّطبيع»، في احتفالات الميلاد، وهو بطريرك كلدان العراق والعالم الكاثوليك، فقد أُخذ عليه أنه يدعو إلى التَّطبيع مع إسرائيل، لكن الكاردينال قال: التّطبيع بين العراقيين، ودول العالم والعراق، ظناً منه أنَّ إبراهيم الخليل كان عراقيَّاً.
جاء في كلمة الكاردينال: «أتمنى من الحكومة الجديدة، أن يكون التطبيع في العراق، ومع العراق بلد الأنبياء»، وبما أنَّ مفردة التَّطبيع صارت حِكَراً على العلاقة مع إسرائيل، لذا فُهّم أنه يدعو إلى التطبيع معها، ومنذ قالها وحتى الآن والردود على خطابه جارية، وهناك مَن دعا إلى محاكمته وإعدامه، فخرج مفسراً أنه لم يقصد «التَّطبيع» بالاصطلاح المحتكر للعلاقة مع إسرائيل، ثم خرج يقول: «إذا كان إعدامي يصلح أمر العراق فليكن».
كان خطاب رئيس الكنيسة الكلدانيَّة فرصة لمحور «المقاومة» للنيل منه، على أنه قصد التطبيع مع إسرائيل، مع أنَّ العراق، حسب رئيس الكنيسة، بحاجة إلى تطبيع داخلي وخارجي، كالتطبيع بين الأديان والمذاهب بقمع الطّائفيَّة، وخارجياً ينطلق هذا التّطبيع مِن العراق نفسه، لا تفرض سياسات الدول على العِراق ويكون ظلاً لها، والتّطبيع الذي قصده الأب ساكو داخلياً إنهاء سياسة المحاصصة في المراكز العليا والدّنيا، وأن يعود اللاجئون إلى منازلهم، بعد تخليصها مِن المستولين عليها، فطائفته تعرضت، أسوة بالآخرين، إلى كوارث، بسبب أن العراق لم يكن دولة طبيعية.
ما قصده «تطبيع» ساكو عودة العِراق إلى طبيعته، يُسعى إليه مِن قبل الغرب والشَّرق، لا تبقى مقدراته عرضة للنهب والسَّلب، ولا يرى ساكو أنَّ التّعبير قد خانه، فهو اصطلاح عربي معروف، قبل احتكاره بالعلاقة مع إسرائيل، التطبيع في السياسة والاجتماع، وفي الحياة اليومية داخل العراق. فهل ترى العلاقات سليمة داخل الحكومة نفسها، وبين الأحزاب، وبين النّاس، في ظل السعار الطائفي، وبين العشائر، التي هي والميليشيات تمتلك السلاح الثَّقيل؟ وتراه تطبيعاً معقداً، ليس بين طرفين، أو دولتين، إنما إذا جرى فيجري داخل شبكة من الجماعات، كلها لا تريد للعراق أن يكون وطناً طبيعياً، ودولة طبيعة، لا دول داخل دولة.
صحيح أن مصدر الفعل «طبَّع» «تطبيع» غير مألوف في السياسة بين الإمبراطوريات والممالك قديماً، فما بينها كان يحسم بالمعارك أو الهدن، لكنه كان معروفاً في الفقه، في مسألة الثياب وألونها «وشي في الثوب، يصبغ، كان زينة أو تطبيعاً» (ابن المنذر، الأوسط في السنن)، وترد العبارة «لعل هذا تطبيعٌ»، وبهذا أجاز استعماله مجمع اللُّغة العربيَّة، على أنه مأخوذ مِن الطَّبيعة (عمر، معجم الصَّواب اللغويّ)، وطُرح أيضاً ما يعرف بالتّطبيع الإسلاميّ، وهو «تطبيع الإسلام في المجتمعات الإسلاميَّة» (بادحداح، كتاب دروس)، واستعمل المصطلح في الأسماء، أي يُذكر اسم فلان بغيره تطبيعاً، أو كالقول بنسبة الشيء على التطبيع، بمعنى يكون طبيعياً عادياً، ويفسّر بقبول الأفكار كمسلمات تطبيعاً، ويعني التَّكيف أن تكون الأفكار والعلاقات جزءاً من الحياة اليوميَّة، ويدخل في الصحة والصناعة، تطبيع القماش بالألوان وغيره.
لكن بعد قيام العلاقات الدبلوماسيَّة بين مصر وإسرائيل حُصر هذا المصطلح في تلك العلاقة، وصار «التّطبيع» مرتبطاً بتلك العلاقة، وقد افرغ من معناه «التَّكيف»، أو إشارة إلى عودة الأشياء والعلاقة إلى طبيعتها، بهذا المعنى استخدم الكاردينال ساكو «التطبيع»، وفخره بالعراق كونه وطن إبراهيم الخليل -حسب اعتقاده- أنّ يجري التطبيع معه، لأنه المركز، لكن ذلك الشرح، الذي قدمه ساكو لم يشفع له وسط المزايدات، وإلا ما شأن رئيس كنيسة بدعوة «التطبيع» مع إسرائيل، وربّما لم يكن ذلك في ذهنه، وهو الأكثر حذراً من عمل رجال الدين في السِّياسة. لقد أُسيء فهم «تطبيع» ساكو، مِن قِبل المزايدين، ولأبي الطيب (354هج): «إِذا ساءَ فِعلُ المَرءِ ساءَت ظُنونُهُ/ وَصَدَّقَ ما يَعتادُهُ مِن تَوَهُّمِ».
*كاتب عراقي
إقرأ المزيد


