العقل الفلسفي الغربي بعد إقصاء السؤال الديني
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

لم تكن القطيعة التي أنجزها العقل الفلسفي الغربي مع المرجعيات الميتافيزيقية مجرّد حدث معرفي عابر، بل كانت خياراً وجوديّاً عميق الأثر، أعاد تعريف الإنسان والعالم والمعنى. فقد تحرّر العقل من السُّلَط الرمزية التقليدية، وراكم منجزاتٍ تحليليةً غير مسبوقة، لكنه في المقابل أفرز فراغاً دلاليّاً أخذ يتّسع كلما ازداد وعي الإنسان بتناهيه. وهنا تبرز المفارقة: عقلٌ بالغُ القدرة على التفكيك، شديدُ العجز عن الطمأنينة، بارعٌ في مساءلة كل شيء، لكنه عاجز عن إسكات قلقه الخاص.
لقد تصوّر العقل الحديث أنه حين يزيح السؤال الديني من أفق التفكير، فإنه يحرّر الإنسانَ من الوهم، غير أن ما وقع فعليّاً هو انتقال الوهم من الخارج إلى الداخل، إذ صار الإنسان مطالَباً بأن يكون مصدر المعنى الوحيد في عالم لم يُعد يعترف بأي مرجعية تتجاوزه. ومن هنا لم يَعُد القلق حالة نفسية طارئة، بل غدَا بنيةً وجوديةً ملازِمةً للوعي الحديث، أي: قلقاً نابعاً من إدراك التناهي، ومِن هشاشة القِيم، ومِن افتقاد الغاية النهائية.
وفي هذا السياق، ظهرت الوجوديةُ بوصفها اعترافاً فلسفياً متأخراً بأن الإنسان ليس عقلًا محضاً، بل كائناً منفتحاً على السؤال، محكوماً بالاختيار، ومهدَّداً بالعدم. غير أن الوجودية اللادينية، رغم شجاعتها في تشخيص المأزق، كثيراً ما توقّفت عند حدود الوصف، فحوّلت القلقَ إلى قدَر، والعبثَ إلى أفق، والحريةَ إلى عبء بلا معنى جامع. وهنا يتولّد سؤالٌ أكثر جذريةً: هل يكفي أن نعي التناهي دون أن نبحث عمّا يمنح هذا الوعي قابليةَ الاحتمال؟
ومن داخل هذا المأزق ذاته، حاول بعض مفكري الغرب إعادةَ فتح السؤال الديني لا بوصفه رجوعاً إلى اللاهوت السلطوي، بل باعتباره سؤالَ معنى لا يستقيم تجاوزه. ويبرز هنا اسم باول تيليش، لا بوصفه صاحب نسق مغلق، بل بوصفه شاهداً على إمكان تفكيرٍ دينيٍّ من داخل العقل الحديث. فالدين، في هذا الأفق، لا يُقدَّم كمنظومة أجوبة جاهزة، بل كاستجابة وجودية لما سمّاه «الاهتمام الأقصى»، أي ذلك الانخراط الكلي الذي يمنح الوجودَ اتجاهَه دون أن يُلغي توتّرَه.
وليس تيليش استثناءً معزولاً، بل هو امتداد لمسار بدأ مع سورين كيركغارد حين كشف أن الحقيقة الوجودية لا تُنال بالبرهان المجرد، وأن القلق ليس نقيض الإيمان، بل شرطه. كما يتقاطع، وإنْ من موقع مختلف، مع تشخيص مارتن هايدغر لوضع الإنسان بوصفه كائناً مُلقى في العالم، محكوماً بالزمن والموت، غير أن الفرق الحاسم يكمن في أن الوجودية الدينية ترفض أن يكون هذا الإلقاء نهايةَ المعنى.
الإيمان، وفق هذا التصور، لا ينافس العقل في مجاله، ولا يدّعي امتلاكَ الحقيقة، بل يمنح الإنسانَ «شجاعة الوجود»، أي القدرة على مواجهة القلق دون إنكاره، وعلى تحمّل التناهي دون السقوط في العدمية. وهو إيمان يعمل بالرمز لا بالتصوّر الحدي، وبالإشارة لا بالامتلاك.. ما يجعله قابلا للتأويل والحوار، لا أداة للإغلاق أو الإقصاء.
ومن هنا لا تبدو الوجودية الدينية ارتداداً عن الحداثة، بل نقداً داخليّاً لها، ولا تبدو عودةً إلى ما قبل العقل، بل مساءلة للعقل حين يتوهّم الاكتفاء الذاتي. إنها تضع العقل الفلسفي الغربي أمام امتحان حاسم: إمّا أن يظل وفيّاً لشجاعته النقدية فيُعيد فتح السؤال الديني بوصفه سؤال معنى، أو أن يكتفي بإدارة القلق وتحويل الأزمة إلى حالة دائمة بلا أفق.
وهكذا، لا يعود السؤال الحقيقي: هل يحتاج الإنسان إلى الدين؟ بل: هل يستطيع العقل أن يحيا دون أفق يتجاوز ذاتَه؟ ذلك أن العقل الذي لا يعترف بحدوده، لا يلبث أن يتحوّل من أداة تحرير إلى مصدر قلق، ومن وعْد بالمعنى إلى عبء وجودي لا يُحتمل.


*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة



إقرأ المزيد