جريدة الإتحاد - 1/6/2026 11:51:48 PM - GMT (+4 )
شهدت العلاقات العامة بين الهند والولايات المتحدة توتراً بعد إعلان الرئيس دونالد ترامب فرضَ رسوم جمركية عقابية بنسبة 50% على الواردات الهندية. غير أن أحد جوانب العلاقة التي ظلت مستقرةً هو التعاون الدفاعي بين البلدين. ففي شهر أكتوبر من العام الماضي، وقّعت الهندُ والولايات المتحدة اتفاقيةَ إطار دفاعي لمدة عشر سنوات تهدف إلى تعميق التعاون العسكري، وتبادل التكنولوجيا، وتعزيز تقاسم المعلومات الاستخباراتية، ودعم التوافق الاستراتيجي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وقد عكس ذلك أنه، رغم التغييرات التي طرأت على السياسة الخارجية الأميركية، لا يزال هناك فهم أساسي مشترك بين البلدين.
وقد تم توقيع الاتفاقية العشرية، الذي أعقبه عقد مشاورات بين وزارتي الخارجية في الهند والولايات المتحدة، في نيودلهي نهاية الشهر الماضي. ووفقاً للجانب الهندي، أتاحت هذه المشاوراتُ فرصةً لمراجعة شاملة للشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين، والتي تشمل التعاون الدفاعي إلى جانب التعاون في مجالات الطاقة، والتكنولوجيا، والمعادن الحيوية، وسلاسل الإمداد الموثوقة. كما اتفق الطرفان على إعطاء زخم لتنفيذ مبادرة «تحفيز الفرص للشراكة العسكرية والتجارة المتسارعة والتكنولوجيا للقرن الـ21»، بهدف دفع تعاون تحويلي عبر الركائز الأساسية للشراكة (التعاون التحويلي هو نهج متقدم للعمل المشترك يركز على إحداث تغيير جذري ومستدام، وليس فقط حل المشكلات الآنية). وقد أُطلقت هذه المبادرة خلال زيارة رئيس الوزراء ناريندرا مودي إلى الولايات المتحدة في فبراير الماضي، وتسعى إلى تعميق التعاون في مجالات الدفاع والتجارة والتكنولوجيا، وتعزيز قابلية التشغيل البيني، وزيادة الإنتاج المشترك للتقنيات الدفاعية، وتقوية الأمن البحري، والبناء على شراكة دفاعية جديدة لعشر سنوات.
وفي هذا السياق، سعت الهند لتنويع مصادر مشترياتها الدفاعية بعد أن كانت روسيا في وقت من الأوقات المورد الرئيسي لها. وأصبحت نيودلهي تشتري الأسلحة من مجموعة أوسع من الدول، من بينها الولايات المتحدة وإسرائيل وفرنسا. وتؤكد بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام ومصادر أخرى أن حصة الأسلحة الروسية في واردات الهند تراجعت بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، إذ انخفضت من نحو 76% في الفترة بين 2009 و2013 إلى حوالي 36% فقط خلال الفترة بين 2019 و2023، أي إلى أقل من النصف. ومع ذلك، لا تزال روسيا المصدر الأول للأسلحة بالنسبة للهند.
وفي المقابل، ارتفعت قيمة التجارة الدفاعية بين الهند والولايات المتحدة من مستوى شبه معدوم إلى أكثر من 20 مليار دولار، لتصبح الولايات المتحدة ثالث أكبر مورِّد للأسلحة إلى الهند بعد روسيا وفرنسا. واشترت الهند طائرات C-130J سوبر هيركوليز، وC-17 جلوبماستر III، وطائرات الدوريات البحرية P-8I بوسيدون، ومروحيات CH-47F تشينوك، وMH-60R سيهوك، وAH-64E أباتشي، وصواريخ هاربون المضادة للسفن، ومدافع الهاوتزر M777، وطائرات إم كيو-9 ريبر.
وتسعى الولايات المتحدة إلى توسيع مبيعاتها الدفاعية للهند، وقد أعلنت خططاً لتوريد وإنتاج مشترك لصواريخ «جافلين» الموجهة المضادة للدبابات ومركبات المشاة القتالية «سترايكر» داخل الهند. وفي نوفمبر الماضي، أعلنت واشنطن موافقتها على صفقات أسلحة للهند بقيمة 92.8 مليون دولار، تشمل قذائف المدفعية الدقيقة «إكسكاليبور». وأوضحت وكالة التعاون الأمني الدفاعي التابعة لوزارة الخارجية الأميركية في بيان أن 45.7 مليون دولار من هذه القيمة مخصصة لبيع نظام صواريخ جافلين، بما في ذلك 100 صاروخ FGM-148، وصاروخ واحد «للتجربة قبل الشراء»، و25 وحدة إطلاق خفيفة الوزن. وتهدف هذه الأسلحة إلى تعزيز قدرات الهند في مواجهة التهديدات الحالية والمستقبلية. أما المبلغ المتبقي وقدره 47.1 مليون دولار، فيخص بيع ما يصل إلى 216 قذيفة تكتيكية من طراز M982A1 إكسكاليبور. وأكدت الوزارة أن هذه الصفقات تدعم أهداف السياسة الخارجية والأمن القومي للولايات المتحدة من خلال تعزيز شراكتها الاستراتيجية مع الهند.
وترتكز العلاقات الدفاعية بين واشنطن ونيودلهي على تاريخ طويل، إذ اعترفت الولايات المتحدة عام 2016 بالهند كشريك دفاعي رئيسي، ما ساهم في رفع مستوى التعاون في مجال التجارة والتكنولوجيا الدفاعية. كما وقّع البلدان بين عامي 2016 و2020 مجموعة من «الاتفاقيات التأسيسية» لتعميق قابلية التشغيل البيني بين قواتهما المسلحة. وقد توسعت العلاقات الدفاعية في ظل سعي الهند إلى تحديث جيشها وسدّ الفجوات في جاهزيتها الدفاعية، في مواجهة التحديات الإقليمية.
وكان رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي من أوائل القادة الذين زاروا البيت الأبيض بعد أداء ترامب اليمين الدستورية، حيث اتفق الزعيمان على التفاوض بشأن الشريحة الأولى من اتفاقية التجارة الثنائية بحلول خريف العام الماضي. ولا تزال المفاوضات التجارية جارية حتى الآن دون التوصل إلى اتفاق نهائي، في وقت تسعى فيه الهندُ إلى إلغاء الرسوم الجمركية البالغة 50%.
ولا شك في أن العلاقات الدفاعية تظل عنصراً محورياً وركيزة أساسية في العلاقات بين الهند والولايات المتحدة، إذ تسهم في الحفاظ على الاستقرار في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث يشترك البلدان في أهداف مشتركة، من بينها دعم نظام دولي حُر ومفتوح وقائم على القواعد، وضمان حرية الملاحة. كما تمثّل الولايات المتحدة شريكاً مهماً للهند، ليس فقط لتعزيز قدراتها الدفاعية، بل أيضاً لدعم الاستقرار الجيوسياسي في المنطقة.
*رئيس مركز الدراسات الإسلامية - نيودلهي
إقرأ المزيد


