جريدة الإتحاد - 1/7/2026 1:26:22 AM - GMT (+4 )
خولة علي (أبوظبي)
أصبحت التكنولوجيا ركيزة أساسية في الحياة المعاصرة، وأثّرت بشكل جوهري على بنية الأسرة وتفاعلاتها، فهي تقدم مزايا عديدة تسهل الحياة اليومية، مثل تبادل المعلومات بسرعة، الوصول إلى الأخبار والموارد التعليمية، وإجراء الأعمال عن بُعد، لكنها تتطلب أيضاً وعياً وحذراً للحفاظ على الروابط الأسرية وتقويتها.
ومن خلال اعتماد قانون التوازن والإدارة في استخدامها، يمكن للأسرة تجنب التأثيرات السلبية على كيانها وأفرادها، حيث تقلِّص فرصة اللقاءات المباشرة، ويصبح التواصل غالباً خلف الشاشات. لذلك، يتطلب الأمر إدارة واعية لضمان ألا تتحول التكنولوجيا إلى أداة للتباعد والعزلة داخل الأسرة، بل أداة لتعزيز الترابط والتفاهم.
منظور أكاديمي
في حديثها عن دور التكنولوجيا في الأسرة، تشير منى اللوغاني، مرشدة أكاديمية، إلى أن التكنولوجيا أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، فهي تؤثر على مختلف جوانب الحياة، بما في ذلك العلاقات الأسرية، وفي حين يمكن أن تكون سبباً في تباعد أفراد الأسرة عن بعضهم البعض، قد تكون وسيلة فعالة لتعزيز التواصل والتفاعل الأسري إذا تم استخدامها بشكل إيجابي وواعٍ.
وتوضح اللوغاني، أن الاستخدام المفرط للأجهزة الإلكترونية يؤدي إلى عزلة الأفراد داخل الأسرة، ويقلِّل من نوعية التفاعل الاجتماعي، لاسيما عند اعتماد الرسائل النصية أو وسائل التواصل الاجتماعي بدلاً من الحوار المباشر وجهاً لوجه. وقد ينشأ توتر بين أفراد الأسرة بسبب الإفراط في استخدام التكنولوجيا، مثل قضاء الأطفال ساعات طويلة في الألعاب الإلكترونية، أو انشغال الآباء عن أبنائهم بسبب العمل على الأجهزة الإلكترونية. وتشير إلى أن بعض الدراسات أكدت أن الأطفال الذين يقضون وقتاً طويلاً أمام الشاشات قد يعانون من قلة الانتباه، وضعف مهارات التواصل المباشر، بينما قد يشعر الآباء بالضغط النفسي نتيجة الانشغال الدائم بالتكنولوجيا.
إيجابيات
ومن الناحية الإيجابية، تؤكد منى اللوغاني، أن التكنولوجيا يمكن أن تعزز العلاقات الأسرية، عبر إنشاء مجموعات عائلية على تطبيقات التواصل الاجتماعي لمشاركة الأخبار والأحداث اليومية، أو إرسال رسائل تحفيزية وتشجيعية بين أفراد الأسرة، كما يمكن وضع حدود زمنية لاستخدام الأجهزة، وتشجيع التعلّم الجماعي، ومشاهدة الأفلام التعليمية معاً، أو اللعب الجماعي على الألعاب الإلكترونية، التي تتطلب التعاون والتفاعل بين الأفراد، وتنظيم الأنشطة العائلية عبر التطبيقات الرقمية، ما يعزز الترابط الأسري، ويزيد من فرص الحوار المشترك والتفاهم.
وأشارت اللوغاني، إلى أن دمج التكنولوجيا في أنشطة الأسرة بشكل متوازن، يمكن أن يسهم في تطوير مهارات الأطفال الإبداعية والرقمية، مع تعزيز شعورهم بالانتماء داخل الأسرة.
تجربة تربوية
توضح مريم النقبي، تربوية، أن تأثير التكنولوجيا على العلاقات الأسرية موضوع معقَّد يحمل جوانب إيجابية وسلبية، ويعتمد بشكل كبير على طريقة إدارة الأسرة لاستخدامها، وتشير إلى أن الإفراط في استخدام الأجهزة الإلكترونية قد يقلل الوقت الذي يقضيه أفراد الأسرة مع بعضهم البعض، ويؤدي إلى الإدمان على الألعاب ووسائل التواصل الاجتماعي، ما يتسبب في الانشغال عن الأسرة، وتراجع فرص الحوار والتفاعل اليومي. كما أن الاستخدام غير المنظَّم للتكنولوجيا، قد يقلِّل من النشاط البدني للأطفال، ويؤثر على نموهم العقلي والسلوكي، ويحد من قدرتهم على التفاعل الاجتماعي المباشر خارج العالم الرقمي.
وتضيف النقبي، أن التكنولوجيا تساعد في الحفاظ على التواصل بين أفراد الأسرة الذين يعيشون في أماكن مختلفة، وتوفِّر أدوات تعليمية مفيدة يمكن أن تسهم في تطوير مهارات الأطفال الذهنية والإبداعية، كما يمكن أن تكون الألعاب الإلكترونية الجماعية، وسيلة لتقريب أفراد الأسرة عند ممارستها معاً، لاسيما إذا تم اختيار الألعاب التي تشجع على التعاون وحل المشكلات بشكل جماعي. وتؤكد النقبي، أهمية وضع فترة زمنية محددة لاستخدام الأجهزة، وتثقيف أفراد الأسرة حول الاستخدام المسؤول، والحرص على الجلوس سوياً وتبادل النقاشات، مع ممارسة الأنشطة التفاعلية المشتركة، لتعزيز العلاقات بدلاً من أن تصبح التكنولوجيا عائقاً للتواصل.
الإرشاد والتوجيه
يشير عبد العزيز العبدولي، ولي أمر، إلى أنه يحرص على توجيه أبنائه نحو كيفية الاستفادة من التكنولوجيا بأساليب تساعدهم على النمو والتطور الشخصي والعلمي، منوّهاً إلى أن استثمار التكنولوجيا يشمل دفع الأبناء لاستكشافها بشكل أعمق، من خلال إرشادهم لاستخدام برامج الذكاء الاصطناعي وحضور الورش التعليمية، وتوجيههم لإعداد محاضرات وورش عمل، وتوظيفها في حل التحديات الدراسية واليومية، مضيفاً أنه شجع أبناءه على إنشاء حسابات مفيدة على منصات التواصل الاجتماعي، لتوثيق أنشطتهم ومبادراتهم المجتمعية، مع متابعته لضمان الاستخدام المسؤول. ويؤكد العبدولي، أن الهدف ليس فقط تطوير المهارات الرقمية، بل تعليم الأبناء أهمية المساهمة الإيجابية في المجتمع، وتعزيز النقد والتفكير المستقل، والمشاركة في تطوير المحتوى الرقمي الهادف. كما يشدد على ضرورة غرس قيَم التعاون والمشاركة والإبداع الرقمي في جو أسري متوازن، وينصح أولياء الأمور باستثمار التكنولوجيا لتعزيز تعلُّم الأبناء وتنمية مهاراتهم، مع الحفاظ على توازن صحي بين التكنولوجيا والحياة الأسرية التقليدية، لتحقيق بيئة تعليمية وترفيهية متكاملة، تعود بالنفع على جميع أفراد الأسرة.
المشاركة الجماعية
في سياق تجربة عملية، يوضح عبدالله علي راشد، ولي أمر، تجربته في إدارة وتنظيم استخدام التكنولوجيا داخل الأسرة، قائلاً: عملي بعيد عن مدينتي، وعدم تواجدي في المنزل إلا في نهاية الأسبوع، جعلا تجربتي مع التكنولوجيا تمازجاً من التحديات والفرص، ويذكُر أن البداية كانت صعبة، حيث لاحظ أن كل فرد من أسرته كان مشغولاً بجهازه الخاص، ما قلل التواصل بينهم، لذلك قرر أن يكون ابنه الأكبر مسؤولاً عن متابعة أنشطة إخوته، كما وضع جلسات أسبوعية لاستخدام التكنولوجيا بشكل مفيد، مثل تعلم تطبيق معين، وخوض ألعاب إلكترونية جماعية كالشطرنج، وتنظيم أنشطة رياضية واجتماعية لتقليل الاعتماد على الأجهزة، كما خصص أوقاتاً خالية تماماً من الأجهزة، مثل وقت العشاء أو النزهات، ما ساعد في تعزيز التواصل الأسري وتوطيد الروابط بينهم، مع التركيز على بناء الذكريات المشتركة وتقدير الوقت العائلي بعيداً عن الشاشات.
إقرأ المزيد





