نساء عرفتهن أم سبع البلادين -2-
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

كان صيتها يسبق صوتها، وصوتها يسبقها، كانت تحب الصخب، لا تهدأ إلا إذا استلقت على مطرحها أو غفت عينها تحت ظلة جدارها، أحياناً كثيرة كانت تتشابه مع شجرة التين في منزل الطين، كانت تدير ذلك البيت الذي مثل مركض فرس، بحركة عينيها، كلمتها واحدة، وتقلط على الصغيرة والكبيرة من نساء الجيران، والرجال لا يكسرون لها كلمة، طبعها حاد، ولسانها حامٍ، خاصة حين تتصدى للرجال أو ترفع ظلماً عن حرمة مستضعفة، تكشر عن ضعفها، وترفع جانباً من برقعها، وتجهر بالقول: «تراني ساكنة حسيفين، ولا أبالي بسواد الوجه»! دليل التحدي، ورفع حياء النساء من وجهها، فينكسر أمامها من أراد بغياً أو شراً، كانت لها هيبة من الطَلّة، بطولها الفارع مع امتلاء، لكن النحف سيمائها، كان يعرفها الغادي والرائح، سكنها يجاور واحة النخيل، ومراغتها تزرع فيها البُر، ومعشّى غنمها وأبقارها التي تمتلئ أحياناً في حظيرتها، فتقسم على الناس كل بنصيبه أو ترسل المنتقى منها للحاكم الذي يودها، ويزورها، ويتبادل الضحكات والأخبار والممازحة معها.
كانت دلال قهوتها لا تبرد، ويلفيها الخُطّار من كل مكان، فبيتها ينعت به الوصف، كانت تنفق، وتمدّ، البعض يرجع ذلك لكثرة حلالها الذي يعم للناس، وتتصنع أي مناسبة لتوزع اللحوم على الأهالي، والبعض الآخر يردّه إلى جدها الذي كان يسك النقود المعدنية المحلية من فضة ونحاس قبل أن يمنعه الإنجليز ويحولوا التعامل بالروبية الهندية الخاصة بمنطقة الخليج، ومع ذاك قلما أحد دخل منزلها وخرج خالياً، فالنساء كانت تمدهن بالأقمشة والعطور، والرجال الطارشين بشيء من الخير و«الميوا»، لكن رغم تلك الأريحية والطيبة كانت قاسية وجلفة إذا ما تطلب الأمر في معادلة الميزان، حتى أنها مرة تنازعت مع أحد عند قبر الولي، كانت تحوط بمدخنها على زوّاره، بعد أن تأمر بذبح ثلاث ذبائح تفرق على الزوّار والناذرين، فأغضبها واحد كان يبدو غريباً ويتلصص عند شريعة النساء، فصرخت بذاك الصوت حتى جفل ذاك الغريب الذي لم تعرف نيته، وألقت بكلمات نابية وصاخبة في حضرة قبر الولي، مثل عادة تغلبها في المواقف، ولا تستطيع أن تتخلى عنها، فجأة طاح المدخن الفخّاري الذي يصنعه «علي اليَحّال» الساكن بالقرب من محرق الفخار بجانب قبر الولي من يدها، وسقطت سنها العلوية، وشعرت بدورة في الرأس، وجلست تستغفر وتتوب، وحلفت ما تروح لقبر الولي إلا إذا شلّوها له بنعش.
بقيت تلك المرأة التي عرفتها وتتذكرها أم سبع البلادين، حين تذكر المواقف، وتذكر الطيبة، وتذكر هَبّة النساء اللاتي عن سبعة رجال، مثلما بقيت شجرة التين تلك التي كانت تنتصف منزل الطين.



إقرأ المزيد