جريدة الإتحاد - 3/9/2026 11:29:30 PM - GMT (+4 )
تزدحم هذه الأيام المنصّات والبرامج بالأسئلة والفتاوى التي تعبّر عن قلقٍ شديد في فهم الأسس والمقاصد العليا للدين الإسلامي، ولو عُدنا إلى الأصل فإن التسهيل أساسي في نمط الفتوى وتبويبها، وهذا ما نتمنى أن يستند إليه المفتون في هذا الشهر الفضيل.
بالتأكيد أن المنهاج الذي يتأسس عليه الاستنباط الفقهي، معياره الدليل، فالمسألة الفقهية عبارة عن استجابة لحدث بادٍ في الدنيا، ولهذا يشبّه السيوطي قول الفقيه برأي الطبيب، إذ إن مناطها مقتضى الحال، والإمام القرافي يربط الفقه بتجدّد قضايا الناس ومشكلاتهم في شؤون دنياهم. والفقه تختلف حول مسائله إحراجات الواقع، كما في المسائل المتعددة بالقول الواحد تبعاً لتعدد الأفراد وتنوع شرح الوقائع كما لدى أحمد بن حنبل المعتمد على الأثر، ولئن تم تعييره ونزع صفة الفقه عنه إلى الحديث كما فعل الطبري في كتابه «اختلاف الفقهاء»، غير أن لاحقة تجاوزت النظرة التقليدية للحنبلية على النحو الذي قدمه جورج مقدسي -المستشرق الأميركي اللبناني الأصل- في محاضراتٍ أربع قدمها في «الكوليج دو فرانس» في ديسمبر عام 1969 وطبعت بترجمة سعيد المولى وتقديم رضوان السيد -وفيها تعديل على تصور بحثي كلاسيكي عن الحنبلية باعتبارها قليلة الأتباع وموغلة بالأثر على الأسس التأويلية كما فعل بقية الأئمة الثلاثة (إما عملاً بالأصول الفقهية أو التعليل أو الحفر بالمقصد الشرعي) ولكن الحنبلية المبكرة كانت موضع شرح من«مقدسي» يجعلها ضمن المذاهب المازجة بين الفقه والعقيدة، تبعاً لإشكاليات التأويل ومعاول الاستنباط ومباني اللغة المنتجة للمعنى، مما جعل المجاز مركزياً في السجالات جلها نفياً أو إثباتاً.
والفقه حليفُه التغيّر، كما يرى شهاب الدين القرافي في كتابه «الفروق»: «إذ تعتبر جميع الأحكام المترتبة على العوائد، وهو تحقق مجمع عليه بين العلماء لا خلاف فيه.. وعلى هذا القانون تراعى الفتاوى على طول الأيام، فمهما تجدّد في العُرف اعتبره، ومهما سقط أسقطه، ولا تجمّد على المسطور في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك لا تجره على عُرف بلدك واسأله عن عُرف بلده وأجْرِه عليه وافته به دون عُرف بلدك والمقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبداً ضلال في الدين وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين»، ومثله منقول عن أبي ليث والزيلعي والبلخي وأبي حيان التوحيدي. المحاولة الضرورية والمشروعة الآن تعتمد على مستويين، أولهما استكمال القوة التأصيلية التي دعت لإعادة حيوية فعالية الفقه مع الواقع ضمن تدخلاته المحدودة، والمستوى الآخر تحرير الفقه من الأيديولوجيا. لقد خاض الشاطبي في القرن الرابع عشر الميلادي سجالاتٍ قوية معروفة لتضييق تدخل الفقه وتحكمه بالدنيا، عبر إعادة تفسير الأحكام التكليفية والنظر إلى المباح، بوصفه المجال الأرحب بدنيا الإنسان ومنطلقاً من البراءة الأصلية، وخص الجزء الأول من كتابه «الموافقات» بكامله للبحث في «مسائل المباح» وبه دافع عن البراءة الأصلية المنطلقة من كراهية قرآنية ونبوية لكثرة السؤال نافياً الحكم عن المباح، بسبب كونه مجال عفو غير محكوم بالفقه، وإنما ضمن دنيا الإنسان الضرورية وترك المباح مجرد اختيار و«فعل المباح أو تركه لدى الشارع متساويان».
فالمباح هو الحرية وهو الاختيار وهو الواقع المدني المعيش وضوابطه دنيوية وليست شرعية، كما يقول نصاً: «على أن ترك المباح ليس طاعةً كما أن فعله ليس طاعةً». وعليه فإن المباح ليس حكماً يدور حوله الثواب أو العقاب.
وتلك مرافعات من أئمة تبتغي تعزيز مستوى حيوية الفقه، بغية تطوير سبل الفتيا والتسهيل على الناس وهذا يساعد على النهضة بالواقع إلى التجديد، وهذا ما يحصّن الفقه من الاحتلال الأيديولوجي، ويرسّخ مناعته ضد جماعات الإسلام السياسي ومنظمات العنف.
ومن قبل نصح ابن عابدين الفقهاء والمفتين قائلاً: «إن المفتي ليس له الجمود على المنقول في كتب ظاهر الرواية من غير مراعاة الزمان وأهله، وألا يضيع حقوقاً كثيرة فيكون ضرره أكثر من نفعه». الخلاصة، أن التسهيل على الناس في دينهم مطلبٌ، ومقصدٌ شرعي أصيل، ومن دون ذلك فإن الاستمرار بالاستفتاء عن مسائل اعتيادية سنوية سوف يستمرّ من دون مبررٍ ولا تعليل، ومع المواسم الدينية التي تكثر فيها الأسئلة القلقة -وهي جزئية تفصيلية في الغالب- لابد من تلخيصٍ فقهي محدد يختصر على الناس ممارسة شعائرهم من دون قلقٍ أو وجل.
*كاتب سعودي
إقرأ المزيد


