الحُصَري.. أمير دولة التلاوة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

استكمالاً لبركة لشهر رمضان الفضيل بتعظيم كتاب الله والاحتفاء بحملته، كرّمت «جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم»، الشيخ محمود خليل الحصري، باختياره شخصيّةً قرآنية عالمية لهذا العام، تثميناً لعطائه وتربعه منذ منتصف القرن الماضي على عرش التلاوة، حتى نصّبه المستمعون رائداً لها وأحد أبرز أعلامها الأجلاء في عصرنا الحديث لم يكن الحصري قارئاً عابراً في تاريخ التلاوة، بل علامةً فارقةً نقلت الأداء القرآني من مرحلة الاجتهادات الفردية إلى مرحلة التوثيق المنهجي، في صوته خشوع نادر، لا يتكلّف ولا يصطنع، وإنما يخرج صافياً من قلبٍ عامرٍ باليقين، فيسري إلى قلب المستمع، ولا يلهيك بزخارف النغم، بل يأخذك مباشرة إلى روح المعنى وعمق الآية، حتى تكاد تبكي من الخشوع والتأمل الروحاني، كأن صوته جاء ليعيد لحظات الصفاء التي تحتاج إليها النفس.

 

كان الحُصَري يؤمن بأن رسالة القارئ الأولى هي صيانة كتاب الله من اللحن والخطأ، ولذلك جاء أداؤه واضحاً جلياً، يصلح أن يكون مرجعاً تعليمياً، ومن هنا اكتسب لقب أمير دولة التلاوة بكل جدارة، إذ أسس نموذجاً يُحتذى في القراءة المرتّلة، وسجّل المصحف المرتّل بروايات متعددة، ليكون أول من سجّل القرآن الكريم كاملاً إذاعياً برواية حفص عن عاصم، ثم تلتها روايات أخرى، في خطوةٍ تاريخية خدمت المسلمين في أنحاء العالم.

وجائزة دبي الدولية للقرآن الكريم التي تعمل منذ 28 عاماً في خدمة كتاب الله وتكريم الحفّاظ والمقرئين، اختارت إلى جانب الحُصَري مجموعة أصوات قرآنية من نخبة القرّاء حول العالم، فتيان وفتيات اختلفت ألسنتهم وبلدانهم واجتمعوا في رِحاب مائدة القرآن، وحرص صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله على تكريمهم، كونهم نماذج مشرّفة لحملة القرآن في شهر القرآن.

لا تفوتنا الإشادة بالقائمين على الجائزة بعد نجاحهم في الربط الذكي بين الاختيار الدقيق لشخصية العام وإبراز المعنى الحقيقي والمغزى من وراء الجائزة، فهذا المزج بين الأجيال في استدعاء اسم بقيمة الحصري -وهو قامة إسلامية عظيمة- في ظلّ مسابقة قرآنية لاختيار أجمل الأصوات الجديدة لا يعني مجرد استدعاء اسمٍ كبير من ذاكرة التلاوة، بل هو فعل رمزي عميق، يحمل أكثر من دلالة ومعنى، فالأمر لا يكون مجرد تكريمٍ لذكرى قارئٍ ملأ الدنيا بصوته الخاشع، بل يكون إعلاناً صريحاً عن معنى الاستمرار، ورسالةً بليغةً في ترابط الأجيال حول كتاب الله.

فالحُصَري لم يكن صوتاً جميلاً فحسب، بل كان منهجاً متكاملاً في الأداء، عنوانه الانضباط، وروحه الخشوع، وغايتُه صيانة النص القرآني من اللحن والتحريف، لقد مثّل مدرسةً ترى أن القارئ أمينٌ على الحرف قبل أن يكون صاحب حنجرةٍ رخيمة، وأن جمال التلاوة لا ينفصل عن دقة المخارج وسلامة الأحكام، واقتران اسمه بمسابقة للأصوات الشابة يعيد تعريف مفهوم «الأجمل»، ليكون الأجمل هو الأصدق أداءً، والأدق التزاماً، والأقرب إلى روح القرآن.

ولعل الرسالة الأعمق في هذا المشهد كله هي ترسيخ معنى الانتماء إلى القرآن بوصفه رابطة عابرة للزمن، فالمسابقة لا ينبغي أن تكون سباقاً على طبقات الصوت، بل سباقاً إلى الإتقان، ولا منصةً للاستعراض، بل ساحةً للتربية على الخشوع والمسؤولية، وحين يرى الشباب أن أسماءً بحجم الحُصَري تُحتفى بها، وأن المنهج المنضبط يُقدَّم نموذجاً أعلى، فإن ذلك يغرس في نفوسهم يقيناً بأن العظمة في خدمة القرآن، لا في التمايز الشخصي.

لقد أصبحت جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم بفضل الله، ثم بدعم القيادة الرشيدة، نبراساً يضيء دروب الحفّاظ ويكرّم أهل القرآن، ونموذجاً يُحتذى به في تنظيم المسابقات القرآنية، ووجهة يتطلّع إليها الحفاظ من مختلف أنحاء العالم، ومصدر إلهام للمبادرات القرآنية التي تتجاوز حدود الجغرافيا، لتصل إلى قلوب الملايين من حمَلَة كتاب الله.

ولا شك أن هذه المسابقة تجسّد التزام الإمارات الراسخ في أن تظل منارةً عالميةً تصون قيم القرآن الكريم وتنشر رسالته السامية، وعاماً بعد عام تجدّد العهد للاحتفاء بالقرآن الكريم ونشر رسالته السمحة وتحفيز الأجيال على حمل قيمه، وإظهار جوهره الإنساني.

لقد عزّزت الجائزة موقعها في مكانة متقدمة عالمياً، بعد نجاحاتها المتميّزة في التأثير الفاعل والواسع الذي حققته على المستوى الدولي، لتكون المسابقة الأكبر عالمياً لتكريم المواهب القرآنية، من حيث عدد المتنافسين، ومجموع الجوائز المالية، وهو الأمر الذي ساهم في تنشئة الأجيال على حفظ القرآن الكريم، وتعزيز ارتباطهم به فهماً وتطبيقاً.
 



إقرأ المزيد