تأثير حرب إيران على الطاقة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 يُعدّ الهجوم الأميركي على إيران خبراً سيئاً للاقتصاد العالمي، لكنني لا أتوقع أن يُؤدي إلى صدمة تضخمية على غرار ما حدث في عام 2022.
بالنظر إلى سوق الطاقة من منظور شامل، لا أرى أي شيء يُقارب حتى ألم أزمة 2021-2022، حين كان وصف «أزمة الطاقة» مناسباً لأوروبا. لا يوجد ما يُضاهي ملامح صدمة 1990-1991، فضلاً عن أزمتي 1973-1974 و1979. وبدايةً، إليكم بعض المعلومات الأساسية. تتألف أزمة الطاقة من ثلاثة عناصر: عدد السلع المتأثرة، وحجم ارتفاع الأسعار، ومدة استمرار هذا الارتفاع. وهناك عنصر إضافي يجب أخذه في الاعتبار دائماً عند تحليل سوق الطاقة: نقطة البداية، سواء من حيث السعر أو من حيث توازن العرض والطلب الإجمالي.
للسياق التاريخي أهمية بالغة. فخلال أزمة 1973-1974، كان النفط المصدر الوحيد للطاقة، حتى لتوليد الكهرباء. آنذاك، شكّل البترول ما يقارب 25% من إنتاج الطاقة العالمي. أما اليوم، فقد انخفضت حصته إلى أقل من 3%. بالنسبة للعائلة الأوروبية المتوسطة، قد تكون الكهرباء والغاز بنفس أهمية النفط، إنْ لم تكن أهم. أما بالنسبة للعديد من الشركات، وخاصة في قطاع الخدمات، فالنفط غير ذي صلة، فالطاقة هي الأهم. وبالنسبة للصين، يُعد سعر الفحم عاملاً حاسماً.

شهد سوق الطاقة تغيرات جذرية على مدى الخمسين عاماً الماضية، لكن لا يزال الكثيرون يحللونه وفق نماذج عفا عليها الزمن. ما جعل عامي 2021-2022 أزمة حقيقية هو ارتفاع أسعار جميع مصادر الطاقة الرئيسية في القرن الحادي والعشرين - النفط والغاز والفحم والكهرباء - في آن واحد. كما أن الزيادات في الأسعار كانت هائلة، أكبر بكثير مما شهدناه منذ بداية حرب إيران. والأهم أن ألم الأسعار استمر لأشهر وفصول وليس لأيام.
وبالطبع، تحدث أسوأ السيناريوهات. في الواقع، أسوأ سيناريو أتوقعه لتأثير الصراع الخليجي أسوأ بكثير من معظم السيناريوهات الأخرى. أتوقع أن يرتفع سعر برميل النفط إلى ما يزيد قليلاً عن 100 دولار إذا ساءت الأمور. إذا حدث ذلك، فسيكون ذلك بمثابة ضربة حظ.

دعوني أتخيل سيناريو كابوسياً محتملاً، وإنْ كان مستبعداً: تُخطئ الولايات المتحدة في تقدير مدى صمود إيران، ويبقى مضيق هرمز مغلقاً لثلاثة أشهر، وفي صراعها من أجل البقاء، تقصف إيران منشآت نفطية رئيسية في دول المنطقة وربما ترد هذه الدول بدورها، مُدمرةً صناعة النفط الإيرانية. يخسر العالم 20 مليون برميل يومياً لمدة ثلاثة أشهر، و10 ملايين أخرى لمدة عام. وإذا كان هناك مَنْ يعتقد أن سعر البرميل سيتوقف عند 100 دولار في مثل هذا السيناريو، فلدي حقل نفطي أودّ بيعه له.
ولحُسن الحظ، لسنا في هذه الحالة، وأظن أننا لن نصل إليها. إذن ماذا يحدث فعلياً؟ تؤثّر حرب إيران في مجموعة محدودة من سلع الطاقة: النفط والغاز الطبيعي المسال. ولم تمتد إلى أسواق الكهرباء أو الفحم، كما لم تؤثّر في سوق الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة وكندا، وهو سوق مهم، لكنّه معزول نسبياً. ارتفاع أسعار النفط محدود - نحو 15% فقط. وبما أن الحرب بدأت للتو، فإن هذا الارتفاع قصير الأجل حتى الآن. كما أن نقطة البداية كانت مواتية: الأسعار كانت منخفضة، وكان سوق النفط والغاز الطبيعي المسال يعاني فائضاً في المعروض هذا العام.
كيف تقارن أسعار النفط والغاز الحالية بالأزمات السابقة؟ في الواقع، هي جيدة جداً. يحوم سعر خام برنت فوق 80 دولاراً للبرميل بقليل. وبعد حرب روسيا وأوكرانيا، ارتفع إلى أكثر من 130 دولاراً للبرميل. وبالنظر إلى الصورة الأوسع، نجد أن الأسعار الحالية تقع ضمن نطاقات كانت تُعتبر في الماضي طبيعية، بل وحتى منخفضة! يتم تداول الغاز الأوروبي عند حوالي 50 يورو (58 دولاراً) لكل ميجاواط ساعة. صحيح أن هذا السعر مرتفع، فهو يقارب ضعف ما كان عليه قبل أيام، لكنه لا يقترب من الرقم القياسي البالغ 350 يورو (405 دولارات) لكل ميجاواط/ساعة المسجل عام 2022.
مع أنني لست قلقاً بشأن النفط حالياً، إلا أن المنتجات البترولية المكررة تستحق الاهتمام. فمصافي النفط وحدها هي التي تشتري النفط الخام، وبالتالي تتأثر أسعاره التي لم ترتفع كثيراً حتى الآن. أما نحن - الاقتصاد الحقيقي - فنشتري المنتجات البترولية المكررة مثل البنزين والديزل ووقود الطائرات. هذه الأسعار بعد التكرير هي ما يهمّنا. وهي الآن ترتفع بوتيرة أسرع بكثير من أسعار النفط الخام، وخاصة الديزل ووقود الطائرات. وإذا حدثت أزمة طاقة، فسيكون سببها هذه المنتجات.
ماذا عن بقية سلع الطاقة؟ لا شيء تقريباً. لننظر إلى تكلفة الكهرباء بالجملة في ألمانيا لعقد التسليم بعد عام - وهو معيار لأوروبا بأكملها. السعر يبلغ 88 يورو لكل ميجاواط/ساعة. أما في عام 2022 فقد وصل إلى 985 يورو. نعم، قرأت الرقم بشكل صحيح: أسعار الكهرباء الألمانية الآن أقل بنسبة 91% من أعلى مستوى تاريخي لها. بل إنها أقل أيضاً مما كانت عليه قبل أربعة أسابيع.
أما الفحم فالوضع مُشابه. قد يكون منسياً في الغرب، لكن اسأل أي شخص في آسيا - من الهند إلى اليابان، ناهيك عن الصين - وستجد أنه لا يزال ملك الطاقة. السعر القياسي الآسيوي يقارب 130 دولاراً للطن المتري، بينما بلغ 440 دولاراً في 2022.
وماذا عن الغاز الطبيعي الأميركي؟ إنه وفرة كبيرة. يتم تداول عقد «هنري هَب» القياسي بأقل من 3 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية. وفي عام 2008، خلال طفرة السلع، وصل إلى 14 دولاراً. هذه هي هيمنة الطاقة.
غالبا ما تُسمّى أزمات الطاقة في التاريخ باسم الحدث الرئيسي الذي أشعلها: مثل الحظر النفطي العربي عام 1973 أو حرب روسيا وأوكرانيا عام 2022، لكن تلك الأزمات لم تحدث بمعزل عن غيرها، بل ساهمت عوامل متعددة في تفاقمها.
هذه المرة، العوامل المساندة تعمل في الاتجاه المعاكس. فملايين البراميل من النفط الإيراني والروسي كانت غير مباعة ومخزّنة في ناقلات بحرية، لكنها بدأت الآن تجد مشترين. وبالنسبة لأوروبا تحديداً، فإن التوقيت مناسب: مخزونات الطاقة الكهرومائية جيدة، ومع قدوم الربيع ستساهم الطاقة الشمسية بشكل كبير. الخطر، بالطبع، هو أن يستمر الصراع ويتصاعد ويمتد إلى ما هو أبعد من النفط والغاز الطبيعي المسال ليشمل الفحم والكهرباء. في الوقت الراهن، يكفي أن ننظر إلى الرسوم البيانية للأسعار على مدى العِقد الماضي. عندها لن يبدو ما حدث في الأسبوع الماضي مخيفاً كما يبدو للوهلة الأولى. 


*كاتب متخصص في قضايا الطاقة.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»



إقرأ المزيد