الخليج بعد الصدمة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 كيف ستُعيد الأزمات تشكيل فكرة الدولة والأمن في الخليج العربي، لا سيما أن في تاريخ الأمم لحظات فاصلة لا تقاس بسنواتها، بل بقدرتها على إعادة تعريف الوعي السياسي والجغرافي للدولة، ومَنْ هو الصديق ومَنْ هو العدو؟ وإنْ كانت السياسة آليّة نفعية بحتة، فالواقع سيفرض على الخليج العربي وحدة حقيقية تتخطى كل الخلافات لكون التهديد وجودياً.

وما حدث هو البداية فقط، وإيران ليست وحدها من يُشكّل تهديداً على الأمن والاستقرار الخليجي، ولذلك يجب أن تكون لنا غاية عُليا واحدة ككتلة حتى نحافظ على بقائنا، وندرك أن ما حدث لنا هو خطر ثانوي، وليس التهديد الأكبر الذي سيواجهنا في المرحلة القادمة.

الصدمة الأولى أن ما حدث لم يكن مجرد تصعيد عسكري وضربات تكلّف المنطقة المليارات، بل اختبار وجودي لنموذج الدولة الخليجية المعاصرة، وهي دول حديثة النشأة، لكنها أصبحت لاعباً اقتصادياً وسياسياً يفوق عمرها التاريخي بكثير.

وفيما يتعلق بصدمة الجغرافيا، فالموقع قد يمثّل عبئاً استراتيجياً، والجغرافيا التي منحت الخليج ثروته أصبحت في الوقت ذاته مصدر الأطماع التي لا تنتهي، وذلك على الرغم من أن المنطقة لا تُمثّل سوى أقل من1% من مساحة العالم، لكنها تحتضن ما يقارب 48% من احتياطي النفط العالمي المؤكد وأكثر من 38% من احتياطيات الغاز الطبيعي. ويعبر مضيق هرمز وحده حوالي 20% من تجارة النفط العالمية يومياً.

وهذه الأرقام التي كانت لعقود مصدر قوة اقتصادية، تحوّلت في زمن الصراع إلى عامل جذب للصدمات الجيوسياسية.كل قوة كبرى ترى في الخليج مفصلاً استراتيجياً في منظومة الطاقة العالمية، وكل توتر في المنطقة ينعكس فوراً على الاقتصاد العالمي، لذلك لم تَعُد الأزمات الإقليمية محلية، بل أصبحت جزءاً من لعبة توازنات دولية تشمل الولايات المتحدة، والصين، وروسيا، وأوروبا. وحتى الدولة المعتدية على الخليج تعتمد على الخليج العربي للحفاظ على اقتصادها من السقوط المدوّي، ومتنفس حقيقي لها في مواجهة كل الأزمات والكوارث، ومجرد التلويح بتجميد أصولها في البنوك والأسواق الخليجية كفيل بقلب الطاولة عليها رأساً على عقب.

والصدمة الثانية : حقائق جديدة دفعت دول الخليج إلى إعادة التفكير جذرياً في مفهوم الأمن ليتحول إلى منظومة متكاملة تشمل: الوعي في الوقت الحقيقي بالموقف، واستشراف منظومات المستقبل والتنبؤ به، ومنظومات الدفاع الجوي متعددة الطبقات، وإيقاف التشويش والإعاقة الراديوية، والأمن السيبراني والإلكتروني، وأمن الموانئ والمسرح البحري والممرات البحرية والنقل البحري، وأمن منظومة النقل الجوي، والأمن السياسي، والأمن المعلوماتي، والأمن المعنوي، والأمن الاجتماعي، والأمن الاقتصادي، والأمن البيئي، والغذائي، والمائي، وأمن استمرارية الأعمال والخدمات والمنتجات وسلاسل الإمداد.

بمعنى آخر، انتقل الخليج تدريجياً من عقيدة الحماية الخارجية إلى عقيدة الأمن الشامل متعدد الطبقات. وتأتي الصدمة الثالثة في اختبار الوحدة الخليجية والعربية ووضوح البُعد كل البُعد عن وجود منظومة استقرار جماعي في منطقة تتعرض لتحولات كبرى، وبالتالي يتساءل الجميع: هل المنظمات والمؤسسات الخليجية والعربية مجرد أُطر صورية جامدة للتنسيق السطحي، أم أنها تحالف استراتيجي حقيقي؟ وهل يملك الخليجيون رؤية أمن مشتركة وهي جزء من الأمن العربي القومي، أم هو سقوط مدوٍّ لكل الشعارات والمسميات؟ وهل سيُعيد الخطر الخارجي المشترك تنشيط منطق التضامن الخليجي؟

فالتاريخ يؤكد ذلك: ففي كل مرة تواجه فيها المنطقة تهديداً كبيراً، تميل دول الخليج إلى تقوية التنسيق الأمني والعسكري، حتى لو بقيت خلافاتها السياسية قائمة. والصدمة الرابعة هي الصدمة الاقتصادية: من الاعتماد على قائمة تقليدية إلى التنويع وتحوّل اقتصادي عميق سيضرب كالـ «تسونامي» الداخل الخليجي، وتُجبر دول الخليج على التنافس مع غيرها كقوة مشتركة، ومتى ما تناغمت ستصبح قوة عالمية لا ترتبط بأسعار الطاقة فقط، بل أيضاً بالاستثمارات العابرة للقارات، والسياحة، والتكنولوجيا، وسلاسل الإمداد الدولية.

وإذا كان القرن العشرون هو قرن اكتشاف النفط في الخليج، فإن القرن الحادي والعشرين قد يكون قرن إعادة تعريف دور الخليج في النظام العالمي. وتخطي تحدي كلما ازداد وزن الخليج في النظام الدولي، ازداد احتمال تعرّضه للصدمات الجيوسياسية ومحاولة إخراجه من معادلة القوة العالمية. وهذا يعني أن مستقبل الخليج لن يتحدد فقط في عواصمه، بل أيضاً في توازنات القوى الكبرى، وفي قدرته على تحويل الصدمات إلى فرص لبناء نموذج جديد من الاستقرار والتنمية.

*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات.
     



إقرأ المزيد