جريدة الإتحاد - 3/10/2026 12:52:31 AM - GMT (+4 )
لكلِّ حربٍ تداعياتها على أطرافها المباشرين وغير المباشرين، وقد يتسع نطاق هذه التداعيات ليشمل الإقليم الذي تدور فيه، كما نرى في الحرب الحالية، وقد يصل الأمر لأن تكون للحرب تداعياتها العالمية، وبالذات على ميزان القوى في قمة النظام الدولي، وتنتمي الحرب الحالية إلى هذا النوع الذي تشمل تداعياته كافة المستويات، بما في ذلك المستوى العالمي، وذلك لسبب بدهي وهو مشاركة الولايات المتحدة من جانب، وأنها من جانب آخر تُعْتَبَر تنفيذاً للاستراتيجية الأميركية الحالية الرامية لتأكيد القيادة الأميركية الأحادية للعالم.
وكنتُ قد كتبتُ منذ شهور في صحيفة «الأهرام» المصرية مقالاً بعنوان «التعددية القطبية بين العالمية والإقليمية»، ذهبت فيه إلى أنه بينما يمكن القول بوجود تعددية قطبية على القمة العالمية، فإن هذه التعددية لا تنسحب على مستوى أقاليم العالم، واستشهدت في هذا بما آل إليه الحال في حرب غزة من انفراد الولايات المتحدة بملف غزة بموجب قرار مجلس الأمن2803.
وبسقوط نظام الأسد في ديسمبر2024 الذي كانت روسيا تدعمه دعماً عسكرياً مباشراً، ثم بموقف كل من روسيا والصين من الضربة الإسرائيلية لإيران في يونيو الماضي، والتي انتهت بمشاركة أميركية، علماً بأن كلاً من روسيا والصين تربطهما بإيران علاقات استراتيجية، وفي يناير الماضي نفّذ الرئيس الأميركي تهديداته للرئيس الفنزويلي الذي تربطه علاقات وثيقة بروسيا والصين، وهو ما يؤيد نفس الفكرة السابقة.
وفي الفاصل الزمني بين الضربتين اللتين تلقتهما إيران في يونيو الماضي وما يحدث الآن، قرأت تقارير عديدة جمعت بينها الإشارة إلى أن كلاً من الصين وروسيا قد شرعتا في تقديم دعم عسكري وتكنولوجي نوعي لإيران لسدّ الثغرات التي كشفتها ضربة يونيو، وبالذات في دفاعاتها الجوية، وبدا هذا منطقياً، وبالذات بالنسبة للصين التي تعتمد على إيران في استيراد النفط بنسبة قُدرت بـ15%، وإنْ ذكرت مصادر صينية أنها أقل من ذلك، وعندما تصاعد التوتر قبل نشوب الحرب عكست التصريحات الإيرانية نغمة ثقة واضحة في قدرة إيران على التصدي لأي عدوان قادم.
وبدا هذا مؤشراً على صدق تلك التقارير، غير أنه منذ بداية الضربة الإسرائيلية- الأميركية الحالية على إيران، لوحظ أن نموذج العمليات العسكرية قد بقي على حاله كما كان في ضربة يونيو، بمعنى أن ثمّة سيادة جوية تامة لكل من إسرائيل والولايات المتحدة في المجال الجوي الإيراني مكّنتهما من تسديد ما شاءتا من ضربات للأهداف الإيرانية دون خسائر تُذكر في الطيران الأميركي والإسرائيلي، مع استمرار القدرة الصاروخية لإيران على إحداث خسائر تلحق بأهداف خصومها.
ويُلاحظ أن التقارير التي تذهب إلى أن الصواريخ الإيرانية قد تمكّنت من تحقيق خسائر في الأهداف التي حددتها لا تُلغي حقيقة الانكشاف الجوي التام لإيران، ناهيك بالانكشاف الاستخباراتي الفادح، وهو ما يعني أن التقارير العديدة التي تحدثت عن نقلة نوعية في الدفاعات الجوية الإيرانية لم تكن صحيحة، وكانت صحتها لتشير إلى نجاح التحرك الصيني والروسي لدعم إيران من أجل منع انفراد الولايات المتحدة بالسيطرة في هجمة جديدة تنال دولة صديقة للقطبين العالميين البازغين، ولو انتهت هذه الحرب بتحقيق الأهداف الأميركية، فإن المعنى الوحيد لذلك سوف يكون تأكيد فكرة أن التعددية القطبية الحالية في قمة العالم لا تنسحب على أقاليمه المختلفة.
*أستاذ العلوم السياسية - جامعة القاهرة
إقرأ المزيد


