تشارلز في أميركا.. والمهمة المستحيلة
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

مرَّ قرنان ونصف القرن على إطاحة الولايات المتحدة بالملك جورج الثالث. وبينما يحتفل أحدثُ أحفاده الملوك بالذكرى الـ250 على تأسيس الولايات المتحدة، في واشنطن العاصمة، يبدو أن العائلة البريطانية المالكة قد عادت إلى الواجهة. وها هو دونالد ترامب قد استضاف بحفاوةٍ الملكَ تشارلز الثالث والملكة كاميلا، لدرجة أنه يتوقع أن تُسهم زيارتُهما التي استغرقت ثلاثةَ أيام في إصلاح العلاقات المُتضررة بسبب رفض رئيس الوزراء كير ستارمر الانضمامَ إلى الحرب ضد إيران. وقد انزعج ترامب لدرجة دفعته إلى وصف ستارمر بأنه «ليس ونستون تشرشل»، كما هدد برفع الرسوم الجمركية على السلع البريطانية. وعلى هذه الخلفية، دعا بعضُ الساسة البريطانيين إلى إلغاء الزيارة الملكية.
 وبعد أحداث نهاية الأسبوع المثيرة للقلق في عشاء رابطة مراسلي البيت الأبيض، أثيرت مخاوف حول سلامة الملك في ظل موجة العنف السياسي التي تشهدها الولايات المتحدة. غير أن قصر باكنغهام سارع إلى تأكيد أن تشارلز لن يتراجع عن الزيارة، رغم إدخال تعديلات على الفعاليات الأكثر انفتاحاً على الجمهور في واشنطن وفرجينيا.
وأشفع بعضُ المعلقين البريطانيين مخاوفَهم بالقول إن تشارلز، المعروف بدماثته وتحفظه، قد يجد نفسَه في موقف حرج إذا ما وجّه ترامب انتقادات إلى ستارمر بحضور الملك، فرئيس الوزراء هو، في نهاية المطاف، رئيس حكومة تعمل باسم الملك. وقد قيل من قبل إن تشارلز انزعج حين شكك ترامب في شجاعة الجنود البريطانيين، ما دفع الرئيس الأميركي إلى تقديم اعتذار ضمني. 
ورغم هذه التحفظات، فقد كانت الزيارة مهمة لإصلاح العلاقة المتوترة. ذلك أن إحداث شرخ في الصداقة بين الحليفين القديمين لا يخدم مصلحةَ أي منهما. 
ورغم أن الملك تشارلز ألقى خطاباً أمام الكونغرس والتقى ترامب في البيت الأبيض، فقد حرص منظمو الزيارة على تجنب عقد لقاء مباشر ومفتوح بينهما داخل المكتب البيضاوي، فيما يُعد قراراً حكيماً، لأن مثل تلك اللقاءات قد تتحول إلى «مادة تليفزيونية» محرجة. لذا كانت فرص ظهورهما معاً بشكل عفوي أمام وسائل الإعلام محدودة للغاية، حيث اقتصر المشهد على مرور رسمي وبعض الأسئلة العابرة من الصحفيين.
ومن أجل إصلاح العلاقات الدبلوماسية المتضررة، يمكننا القول إن الزيارة الرسمية مرت بسلاسة، ونال الرئيس ما يكفيه من الفخامة الملكية. وبغض النظر عن ولع ترامب الخاص بالمظاهر الاحتفالية، تبقى تساؤلات جدية حول الدور المستقبلي لتشارلز وأسرته الملكية كجزء فعّال من الدبلوماسية البريطانية. ويجادل أنصارُ الملكية بأن العائلة المالكة تعزز القوةَ الناعمة لبريطانيا، وخير دليل على ذلك زيارة تشارلز لواشنطن. 
ويبدو هذا الطرح أكثر قابلية للتصديق مع وجود ترامب في البيت الأبيض. لكننا أيضاً نتذكر السرعة التي تدهورت بها العلاقات بعد آخر زيارة دولة قام بها الرئيس الأميركي إلى بريطانيا قبل أقل من ثمانية أشهر. كما نعلم أنه ليس بإمكان بريطانيا أن توفد الملكَ نحو البيت الأبيض كل ما توترت العلاقات على أمل أن يتحسن وضعها. ففي مرحلة ما، يتعين على السياسيين المنتخبين إصلاح الأمور بأنفسهم أو تحمل العواقب.
 وتمتلك المملكة المتحدة مزايا أخرى، مثل نفوذها العالمي، وثقافتها، وجامعاتها المرموقة، وطموحاتها التكنولوجية، وحتى ما تبقى من ثقلها الاقتصادي. وإلى ذلك فإنه إذا نجح تشارلز في كسب ود ترامب، فسيكون قد قطع شوطاً كبيراً نحو إثبات جدارته في مجال الدبلوماسية الخارجية. فلنأمل أن تعود الأمور إلى طبيعتها في المستقبل، وأن تدخل كلٌّ من بريطانيا والولايات المتحدة مرحلةً أكثر نضجاً في السياسة الخارجية، يحكمها الجوهر، أي الحوار الهادف، لا مجرد المجاملات والمظاهر الاحتفالية المؤقتة.


 *كاتبة متخصصة في الشؤون السياسية البريطانية 


*ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»



إقرأ المزيد