جريدة الإتحاد - 5/12/2026 10:09:56 PM - GMT (+4 )
في دورةِ الغلافِ الجويِّ، يتكاثفُ بخارُ الماءِ وتتشكلُ الغيومُ إيذاناً بفصلٍ جديد. يتجمّعُ البخارُ في الأعالي، وتتّخذُ السُّحُبُ أشكالَها على مهلٍ، تتحرّكُ بدافعِ الرِّياح، وتزدادُ حمولتُها حتّى تنسكبَ غيثاً، فتنسابَ إلى الأرض. هناك، يتسرّبُ في التّربةِ أو يسلكُ مجاريَه القديمة، قبل أن يعودَ إلى الهواءِ في دورةٍ أخرى. في هذا الإيقاعِ الطّبيعيِّ، تتجلّى حكمةُ التّحوُّلِ الخاضعةِ لقوانينِ الطّبيعة، حيثُ تنتقلُ العناصرُ وتواصلُ دورتَها، كما في تطوّرِ الكون، إذ يتشكّلُ عبر التّفاعلِ والتّحوُّلِ لخلقٍ جديد.
وكما تُغدِقُ الشّمسُ طاقتها على الأرضِ في دورةٍ متواصلة، فتغدو دفئاً ونمواً، تمضي الطّبيعةُ في أنظمتِها كلِّها على النّهجِ ذاته، حيثُ يتجدّدُ العطاءُ في حركةٍ لا تنقطع، بما يفتحُ أفقاً لسلوكٍ إنسانيٍّ واعٍ يقومُ على الأخذِ والعطاءِ المتوازن.
وتبرزُ إعادةُ التّدويرِ، من خلالِ إعادةِ توجيهِ ما استُهلك ضمن دورةٍ تخدمُ حياتَنا، تجسيداً عمليّاً لهذا التّوجّهِ في علاقةِ الإنسانِ بالطّبيعة. وفي امتدادٍ تاريخيٍّ، تُظهرُ الشّواهدُ الأثريّةُ والأنثروبولوجيّةُ أنّ مجتمعاتٍ في شبهِ الجزيرةِ العربيّة، كما في مجتمعاتٍ أخرى، طوّرت أنماطاً معيشيّةً استجابت لمحدوديّة الموارد، فترسّخَ سلوكٌ يقومُ على الاقتصادِ في المادّةِ وإطالةِ عمرِها الوظيفيّ. وانعكسَ ذلك في تكوينِ منظومةٍ معيشيّةٍ شملت استخدامَ الأدواتِ والمنسوجات، وتوظيفَ مشتقّاتِ الحيوان ضمن أنماطٍ متعدّدةٍ من الاستعمال، وصيانةَ أوعيةِ الماءِ والطّعام وسواها من أوجهِ العيشِ اليوميّ، ضمن دورةِ الاستخدام.
وأسهمت هذه الممارساتُ في ترسيخِ ثقافةٍ معيشيّةٍ انتقلت عبر الخبرةِ اليوميّةِ والتّوارثِ الشفهيّ، مُشكِّلةً بنيةً اجتماعيّةً تحترمُ الموردَ وتقدّرُ المتاح، سبقت الأطرَ المفاهيميّةَ الحديثةَ لإدارةِ المواردِ وإعادةِ التّدوير. بعدَ الحربِ العالميّةِ الثانية، تبلورت إعادةُ التّدويرِ ضمن سياقٍ تاريخيٍّ فرضتْه مرحلةُ إعادةِ البناءِ الصّناعيّ، ولا سيّما في أوروبا واليابان. وقد كشفَ هذا السّياقُ أهميّةَ التعلّمِ الواعي من خبراتِ الدّول وتجاربِ المجتمعات الّتي واجهت الدّمارَ واستطاعت تجاوزَ آثاره عبر إدارةِ مواردِها، بما يختصرُ الطّريقَ ويجنّبُ تكرارَ الهدرِ في الطّاقاتِ البشريّةِ والمواردِ والبُنى التّحتيّة. آنذاك، برزت بقايا الإنتاج، إلى جانبِ أنقاضِ المدن، مواردَ قابلةً للاسترجاع، فاستُخدمت المعادنُ المستخلصةُ من الرّكام، وأُعيد صهرُ الحديدِ والصّلب، وتكرّر استعمالُ الورقِ والزّجاج. ومع استعادةِ النّموِّ الاقتصاديِّ خلال العقودِ اللّاحقة، انتقلت هذه الممارساتُ من حلولٍ ظرفيّةٍ إلى تنظيماتٍ مؤسسيّةٍ، فظهرت أنظمةُ فصلِ النّفايات، وترافقت مع تشريعاتٍ محليّةٍ وسياساتٍ عامّة.
وفي ثّمانينيّات القرن العشرين، اتّسعَ الاهتمامُ ليشملَ الأبعادَ البيئيّةَ والصّحّيّة، فتزايدَ الالتفاتُ إلى آثارِ التّلوّثِ والنّفاياتِ السّامّة، وبدأ التّفكيرُ يتّجهُ نحو إدارةِ المواردِ كمفهومٍ أشمل يربطُ بين الاقتصادِ والبيئةِ والعلم. وقد مهّدَ هذا التّحوّلُ لظهورِ فكرةِ الاقتصادِ الدّائريّ، الذي يعيدُ تنظيمَ العلاقةِ بين الإنتاجِ والاستهلاكِ بمنطقِ الاستمراريّة.
وعلى هذا الأساس، انتقلت الدّولُ الصناعيّةُ إلى مراحلَ متقدّمةٍ من الاقتصادِ الدائريّ، تقومُ على تعقيدِ التقنيّة، وتدويرِ البلاستيكِ كيميائيّاً، واستعادةِ المعادنِ النّادرة، وبناءِ أنظمةٍ صناعيّةٍ مغلقةٍ تُبقي الموادَّ ضمن دورةِ تصنيعٍ مستمرّة، بما يحولُ دون خروجِها كنفايات. تشيرُ تقاريرُ صادرةٌ عن وزارةِ التّغيّرِ المناخيّ والبيئةِ في دولةِ الإمارات، إلى جانبِ مؤسّساتٍ دوليّةٍ معنيّةٍ بإدارةِ الموارد، من بينها البنكُ الدوليُّ وبرنامجُ الأممِ المتّحدةِ للبيئة، إلى أنّ دولةَ الإماراتِ تُنتجُ ملايينَ الأطنانِ من النّفاياتِ الصّلبةِ سنويّاً، بمعدّلاتٍ تُقدَّرُ بنحو 1.8–2 كيلوغرامٍ للفردِ يوميّاً، وهو ما يضعُها ضمن أعلى المستوياتِ عالميّاً، في انعكاسٍ مباشرٍ للتّحوّلاتِ المتسارعةِ في أنماطِ العيشِ والاستهلاك. وفي موازاةِ ذلك، تتقدّمُ الجهاتُ الوطنيّةُ المعنيّةُ بإدارةِ النّفاياتِ باتّجاه إعادةِ إدخالِ نسبةٍ متزايدةٍ من هذه الكميّات ضمن دوراتِ معالجةٍ متطوّرة، إذ تستهدفُ الأجندةُ الوطنيّةُ للإدارةِ المتكاملةِ للنّفايات رفعَ نسبةِ المعالجةِ إلى نحو 80% من النّفاياتِ البلديّةِ الصّلبةِ بحلولِ عامِ 2031، بما يعكسُ توجّهاً حكوميّاً واضحاً نحو تقليلِ الفاقد، وتعزيزِ القيمةِ المستخلصةِ من المواردِ المستهلكة، والحدِّ من الاعتمادِ على المكبّاتِ التّقليديّة.
ولو توفّرت في السّياقاتِ العربيّةِ المتأثّرةِ بمراحلَ طويلةٍ من الدمارِ شروطٌ تنظيميّةٌ ومعرفيّةٌ داعمة، لأمكنَ أن تتبلورَ إعادةُ التّدويرِ جزءاً من جهودِ إعادةِ البناء، فتسهمَ في صونِ القدراتِ البشريّةِ التي أضعفتها آثارُ الدمار، وفي إدارةِ المواردِ وتوظيفِ المخلّفات ضمن رؤيةٍ تنمويّةٍ أشمل، ترتبطُ بتطلّعاتٍ إنسانيّةٍ مشتركةٍ إلى استعادةِ الأمنِ والاستقرارِ والازدهار. وفي ضوءِ ذلك، يتحوّلُ الإرثُ المعيشيُّ في العصرِ الرّاهن إلى إعادةِ تدويرٍ معاصرةٍ في التّعاملِ مع المادّةِ باختلافِ طبيعتِها. ففي بعضِ الحالات، يجري جمعُ الموادِّ وفرزُها ومعالجتُها فيزيائيّاً لإعادتها إلى دورةِ الاستخدام، كما في الورقِ والمعادنِ والبلاستيك، حيثُ تعتمدُ الجودةُ النّهائيّةُ على دقّةِ التّصنيف.
ومع تعقّدِ المواد، يتّسعُ ذلك ليشملَ تفكيكَها إلى مكوّناتِها الأساسيّة، بما يتيحُ إعادةَ توظيفِها أو معالجتَها بطرائقَ مختلفة، لمواجهةِ أنواعٍ يصعبُ تناولُها بالأساليبِ التّقليديّة. فالتّدويرُ يحملُ معنىً أوسعَ يتجاوزُ كونه ممارسةً تقنيّةً، ليطرحَ سؤالَ العلاقةِ بين الإنسانِ والمادّة، وحدودِ الاستهلاك، وأثرِ ما يُنتَجُ ويُخلَّفُ ضمن أنماطِ العيشِ المعاصرة، إذ تُعدُّ التجربةُ الإماراتيّةُ علامةَ تحوّلٍ هامّةً في إدراكِ العلاقةِ بين الإنسانِ والطّبيعة، من خلالِ إعادةِ النّظرِ في كيفيّةِ تحويلِ الموادِّ المستهلكة. وقد انعكسَ ذلك في إدارةِ النّفايات، إذ انتقلت من المعالجةِ النهائيّة إلى منظوماتِ استردادِ القيمة، ضمن أطرٍ تشريعيّةٍ وبُنى تشغيليّةٍ متنامية. في هذا السياق، تكتسبُ المخلّفاتُ العضويّةُ أهميّةً خاصّة، لكونها الأكثرَ حضوراً في الحياةِ اليوميّةِ والأقربَ إلى دائرةِ الاستهلاكِ المباشر. فبقايا الطّعامِ ومخلّفاتُ الحدائقِ والموادُّ القابلةُ للتحلّل تمثّلُ مورداً كامناً إذا أُحسنَ التّعاملُ معه، إذ يمكنُ تحويلُه بوسائلَ عمليّةٍ يسهلُ تطبيقُها. ويكمنُ التّحدّي الحقيقيُّ هنا في السّلوكِ أكثرَ من التقنيّة، إذ يرتبطُ نجاحُ هذا التّطبيقِ بفرزِ المخلّفات داخلَ المنازلِ ومواقعِ الاستهلاك، والنّظرِ إلى المادّةِ العضويّةِ بوصفِها حلقةً فاعلةً في دورةِ الحياة. ويندرجُ التوجّهُ الحيويُّ ضمن إدارةِ المخلّفاتِ القابلةِ للتّحلّل، بما يعيدُها ضمن الدورةِ الطبيعيّة. ولا يقتصرُ الأمرُ على المجالِ البرّيّ، بل يمتدُّ إلى البيئةِ البحريّة، ليأخذَ بُعداً أشملَ في إدارةِ المواردِ الساحليّة، المرتبطةِ بحمايةِ الثّروةِ السّمكيّة، والحفاظِ على السّواحل، وتعزيزِ الأمنِ الغذائيّ، إلى جانبِ الحدِّ من انتقالِ الملوّثات عبر السّلسلةِ الغذائيّة وما يرافقُه من تراكمٍ في الأوساطِ البيئيّة. وتُفصحُ هذه المقاربةُ عن أحدِ العواملِ المؤثّرةِ في الحدِّ من مصادرِ التلوّثِ المرتبطةِ بالنّفايات، فكلّما اتّسعت ممارساتُ الفرزِ والمعالجةِ وإعادةِ الاستخدام، تقلّصت كميّاتُ المخلّفاتِ الّتي تتحوّلُ إلى مصادرَ انبعاثٍ أو تلوّثٍ طويلِ الأمد. وهو ما يجعلُ هذا التّوجّهَ جزءاً لا يتجزّأُ من منظومةِ تحسينِ جودةِ البيئةِ في الدّولة، بما يتجاوزُ أثرَه المحلّيّ ليطالَ البيئةَ الإقليميّة، ويُسهمَ في تقليلِ انتقالِ الملوّثات عبر الحدود، وينعكسَ مباشرةً على صحّةِ الإنسانِ والأنظمةِ الحيّة.
وفي ضوءِ هذا المشهدِ العالميِّ المتنوّع، اختارت دولةُ الإماراتِ مساراً وطنيّاً يرتكزُ على سياساتٍ واضحةٍ للاقتصادِ الدّائريّ، وبنيةٍ تحتيّةٍ حديثة، وتقنيّاتٍ ذكيّةٍ داعمة، إلى جانبِ شراكاتٍ دوليّةٍ لتبادلِ الخبرات. وفي هذا الأفق، تتّجهُ الرؤيةُ المستقبليّةُ نحو تعزيزِ الفرزِ في مراحله الأولى مدخلاً أساسياً لإدارةِ الموارد، وربطِ هذا التوجّهِ بمنظوماتِ التّصنيعِ المحلّيّ، بما يعزّزُ الانتقالَ من إدارةِ النّفاياتِ إلى إدارةِ الموارد، ويُمهّدُ لاقتصادٍ دائريٍّ أكثرَ نضجاً واستدامة. وترتبطُ هذه الفكرةُ عميقاً بالإنسان. فكما تحملُ خلايا جسده قدرةً دائمةً على التجدّد، كذلك فكرُه ومشاعرُه وسلوكُه. وحين يعي الإنسانُ ذلك، يكونُ التغييرُ فعلاً واعياً في الممارسةِ اليوميّة. ومن هنا تتّسعُ الدائرةُ من إدارةِ المادّةِ إلى إعادةِ بناءِ العلاقةِ بين الإنسانِ ونفسِه، لتشملَ الآخر، وتمتدَّ إلى العالمِ من حولِه.
إقرأ المزيد


