لبنان.. وشروط «النقد الدولي»
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 أكثر من 4 سنوات مضت على بدء مفاوضات لبنان مع صندوق النقد الدولي من دون نتيجة، على الرغم من إقرار قوانين إصلاحية، وتعديل بعضها بناءً على طلب الصندوق. ويرى حاكم مصرف لبنان كريم سعيد أن خطة الإنقاذ وافقت على 90 في المئة من الملاحظات الواردة من الصندوق، مع تسجيل تحفظه على المادتين 3 و113 من قانون النقد والتسليف المتعلقتين بسد الفجوة المالية البالغة أكثر من 73 مليار دولار، بينما المطلوب من لبنان ألا يسجل أي عجز مالي، وأن يواصل مراكمة الفائض الأولي، بمعنى أن يعتمد التقشفَ الشديدَ، وأن يواصلَ انتهاج السياسات المالية من أجل الحفاظ على توازن السياسة النقدية.
ويرى الصندوق أن تطبيق المادة 113 هو بمثابة مؤشر على مشاركة الدولة اللبنانية في تحمل الخسائر بشكل مباشر عبر الخزينة العامة، وهو أمر مرفوض من جانب الصندوق، حيث يعتقد «كما أبلغ المسؤولين في لبنان» أن أي تعثر في تسديد الالتزامات المترتبة على البنك المركزي، سينعكس مباشرةً على الخزينة، وهذا السداد ليس مقتصراً على سنة واحدة، أو على فترات محددة، بل يمتد على أكثر من 20 سنة، وبالتالي فإن أثره على المالية العامة قد يمتد لفترة طويلة، وقد يفرض على الخزينة التدخلَ لتغطية الالتزامات السنوية على البنك، ومن شأن ذلك أن ينعكس على النفقات العامة، ويترك أثراً مستداماً على قدرة الدولة اللبنانية على تحمّل الدَّين والالتزامات.
 لقد سبق للحكومة اللبنانية أن أعدّت أكثر من صيغة لمشاريع قوانين إصلاحية، وأقرها مجلسُ النواب، لكن فجأة تَظهر اعتراضاتٌ جذريةٌ عليها من الصندوق، مثل قانون السرية المصرفية. ثم تكرر الأمرُ في قانون معالجة أوضاع المصارف حيث أرسل مؤخراً 28 ملاحظةً لتعديله، رافضاً التعديلات التي أُقرّت سابقاً. وبمعزل عن أهمية هذه الاعتراضات أو أهدافها، إذ قد تنطوي على معايير علمية وتقنية، إلى جانب رغبات سياسية للجهات التي تهيمن على قرار الصندوق، فإن المسألةَ ترتبط بالرغبة والنية الحكوميتين لإنهاء أزمة مالية بدأت منذ النصف الثاني من عام 2019، وفق معايير واضحة المعالم، تستند إلى رؤية موضوعية تهدف إلى النهوض بالمجتمع والاقتصاد، بدلاً من التغوّل في تدميرهما، خصوصاً أن لبنان ليس محصناً ضد الضغوط الخارجية، بل هو مكشوف بالكامل أمام التدويل.
ومع الأخذ في الاعتبار الفارق الكبير بين مقاربة الحكومة ومصرف لبنان حول مشروع قانون «الفجوة المالية»، وبين مقاربة الصندوق، وهو اختلاف جذري، يبدو أن المشكلة ليست المسألة المالية والمصرفية، بل إن الأولوية بالنسبة للجميع تتمثل في ملف السلاح وفرض سيادة الدولة اللبنانية على أراضيها كافة، الأمرُ الذي يؤدي إلى استعادة ثقة المجتمعَين العربي والدولي ويعزز قدرةَ الدولة اللبنانية على الالتزام بسداد الديون المترتبة عليها مع فوائدها المستحقة.
لكن يلاحظ أن هذا الموقف «السلبي» الذي ساد المفاوضات يتعارض مع الموقف التفاؤلي الوارد في تقرير أصدره الصندوق تحت عنوان «آفاق الاقتصاد العالمي»، والذي جاء فيه أن لبنان سجل في العام الماضي نمواً اقتصاديا بنسبة 4 في المئة، ما يعد تحسناً بالقياس إلى عام 2024 الذي شهد انكماشاً بنسبة 7.5 في المئة، بفعل الحرب الموسعة آنذاك. أما العام الأكثر استنزافاً على مستوى النشاط الاقتصادي، فكان عام 2020 الذي شهد انكماشاً بنسبة 26.8 في المئة. ونتيجةً لهذه المعدلات، اقترب حجم الناتج المحلي، في العام الماضي، من 34.5 مليار دولار، مقارنةً بـ29.3 مليار دولار في عام 2024.  *كاتب لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية



إقرأ المزيد