جريدة الإتحاد - 5/18/2026 11:37:35 PM - GMT (+4 )
في عالم تتداخل فيه المخاطر التقليدية مع التهديدات المستجدة، لم يعُد الأمن الوطني محصوراً في حماية الحدود أو تطوير منظومات المراقبة والاستجابة، وإنما غدا منظومة شاملة ترتبط بالاقتصاد الرقمي، وسلامة المدن، واستدامة البنية التحتية، وحماية البيانات، وجاهزية المجتمع والمؤسسات للتعامل مع الأزمات. ومن هذا المنطلق، تأتي النسخة التاسعة من المعرض الدولي للأمن الوطني ودرء المخاطر «آيسنار 2026»، التي تُعقد في مركز أدنيك أبوظبي خلال الفترة من 19 إلى 21 مايو 2026، تحت شعار «نجتهد اليوم لنبني أمن الغد»، لتؤكد أن دولة الإمارات تنظر إلى الأمن باعتباره صناعة مستقبلية، ومجالاً للابتكار، ومنصة للتعاون الدولي، لا مجرد قطاع خدمي أو استجابة ظرفية للمخاطر.
وتكتسب هذه الدورة التي تُنظم تحت رعاية الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، وبالتعاون بين مجموعة «أدنيك» ووزارة الداخلية، وبشراكة استراتيجية مع القيادة العامة لشرطة أبوظبي، أهمية خاصة، لأنها تعكس طبيعة الأمن في الرؤية الإماراتية الحديثة: تكامل مؤسسي، وشراكة بين القطاعين العام والخاص، وانفتاح على الخبرات الدولية. فالتحديات الأمنية لم تعُد منفصلة عن التكنولوجيا، ولا عن التحولات الاقتصادية والاجتماعية، إذ باتت الهجمات السيبرانية، وحماية البنية التحتية الحيوية، وأمن المدن الذكية، واستمرارية الخدمات، جزءاً أصيلاً من معادلة الاستقرار الوطني.
لا تكمُن دلالة «آيسنار 2026» فقط في كونه معرضاً دولياً يستقطب الشركات والجهات الحكومية والخبراء، وإنما في كونه مساحة لصياغة فهم جديد للأمن المستدام. فالنسخة الحالية تستعرض حلولاً متقدمة في الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، وتقنيات المراقبة، وأنظمة الاستجابة للطوارئ، والدفاع المدني والإنقاذ، وحماية المنشآت الحيوية. وهذه المجالات مجتمعة تُظهر أن المستقبل الأمني لا يُبنى بالجاهزية التقليدية وحدها، وإنما بالقدرة على قراءة المخاطر قبل وقوعها، وتحليل البيانات في الزمن الحقيقي، وتحويل التكنولوجيا إلى أدوات وقاية وإنقاذ وحوكمة فعّالة.
ومما يعزّز أهمية هذه النسخة أنها لا تقصر النقاش الأمني على المؤسسات الشرطية أو الدفاع المدني، وإنما تفتحه على قطاعات مدنية وتجارية حيوية، مثل الرعاية الصحية، والزراعة الذكية، والخدمات اللوجستية، والمدن الذكية، والبنية التحتية. وهذا التوسع يعكس وعياً عميقاً بأن المخاطر الحديثة عابرة للقطاعات، فتعطل منظومة رقمية في مستشفى، أو اختراق شبكة نقل، أو اضطراب في سلاسل الإمداد، قد يتحوّل إلى تحدٍ وطني واسع النطاق. ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى حلول أمنية مصممة لكل قطاع، وقادرة في الوقت نفسه على العمل ضمن منظومة وطنية موحدة.
لقد أدركت دولة الإمارات أن بناء الأمن المستقبلي يبدأ من الاستثمار في المعرفة والتقنية والشراكات. لذلك، يبرز «آيسنار 2026» بوصفه منصة لتبادل الخبرات، ونقل وتوطين المعرفة، ودعم الصناعات الأمنية الوطنية، وفتح المجال أمام الشركات المحلية للتنافس والوصول إلى أسواق جديدة. وهذه النقطة بالذات تحمل بعداً استراتيجياً، فالدول التي تكتفي باستيراد الحلول الأمنية تظل رهينة لما ينتجه الآخرون، أما الدول التي تبني قدراتها الوطنية وتستقطب التكنولوجيا وتعيد توظيفها وفق احتياجاتها، فهي التي تمتلك استقلالية أكبر في إدارة مخاطرها.
كما أن انعقاد قمة أبوظبي العالمية للأمن المستدام 2026 بالتزامن مع المعرض يضيف بعداً مهماً للحدث، إذ تجمع القمة صناع قرار وخبراء عالميين لاستشراف مستقبل الأمن من خلال كلمات رئيسية وجلسات نقاشية وورش عمل، بما يسهم في تطوير أنظمة أمنية أكثر مرونة وقدرة على مواجهة الأزمات. وهذا التكامل بين المعرض والقمة يؤكد أن الأمن لم يعد مجرد معدات وتقنيات، وإنما منظومة تفكير وتخطيط واستشراف.
إن اختيار شعار «نجتهد اليوم لنبني أمن الغد» للنسخة التاسعة من المعرض الدولي للأمن الوطني ودرء المخاطر «آيسنار 2026» يختصر فلسفة إماراتية راسخة تقوم على أن المستقبل لا يُنتظر، وإنما يُصنع. فالجاهزية الأمنية ليست قراراً يُتخذ عند ظهور التهديد، وإنما عمل يومي يبدأ من التدريب، وتطوير التشريعات، وتحديث البنية التقنية، وتعزيز التعاون الدولي، وبناء ثقافة مجتمعية تدرك قيمة الوقاية والانضباط والاستعداد.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.
إقرأ المزيد


