أصداء زيارة ترامب للصين
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخيرة للصين ليست بالتأكيد زيارة عادية، سواء من منظور أهميتها أو توقيتها، أما الأهمية فتُسْتَمَد من طرفيها اللذين يُعدان القوتين الأولى والثانية في العالم. فالولايات المتحدة الأميركية هي الدولة الأقوى اقتصادياً وعسكرياً، والصين تتلوها مباشرة في المجال الاقتصادي، فضلاً عن التقارير التي تفيد بأن ما لا يزيد على ربع قرن يفصل الصين عن اللحاق بالولايات المتحدة وربما التفوق عليها، ومن الناحية العسكرية تأتي الصين في المرتبة الثالثة عالمياً، فضلاً عن علاقتها التعاونية مع روسيا صاحبة المرتبة الثانية.
 وأما توقيت الزيارة فلأنها تمّت في وقت تعثّرت فيه جهود التسوية السياسية في الأزمة الحالية بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران التي ترتبط بالصين بمعاهدة شراكة استراتيجية شاملة منذ مارس2021، كما أنها حاولت المشاركة في جهود التوسّط في الأزمة بالتنسيق مع باكستان، ومن ثم فإن الدور المحتمل للصين في دفع جهود الوساطة قد أُثير كأحد الموضوعات المهمة للزيارة.
وقد تنوعت التقارير، بل وتضاربت أحياناً حول حصاد الزيارة، وفي ظل غيبة المعلومات الدقيقة الشاملة عن تفاصيل ما جرى من مداولات، وما أفضت إليه من نتائج، فإنني أُفَضِّل أن أُقارب الموضوع من منظور ما ورد في كلمة الرئيس الصيني في مستهل الزيارة من تساؤل عما إذا كان بمقدور الصين والولايات المتحدة الأميركية أن تتجاوزا «فخ ثوسيديدس»، وهو مصطلح صكّه هذا المؤرخ الإغريقي الذي عاش قبل الميلاد، وطوّر أفكاره متأثراً بالعلاقات بين إسبرطة وأثينا، ويُعتبر رائد المدرسة الواقعية في دراسة العلاقات الدولية.
 أما المقصود بالمصطلح، فهو أن القوة المهيمنة في الساحة الدولية عندما تشعر بصعود قوة جديدة تهدّد مكانتها يمكن أن يُفضي هذا إلى الاندفاع نحو مواجهة عسكرية حتمية، وهو افتراض يجد له أسانيد من خبرة التاريخ، ويكفي الاستشهاد بالمواجهة المدمرة التي تسبّب فيها صعود ألمانيا النازية في ثلاثينيات القرن الماضي على حساب القوى التقليدية المهيمنة آنذاك، فكيف يمكننا الاستفادة من هذا النموذج الذي أشار إليه الرئيس تشي في فهم ما جرى في هذه الزيارة؟
لأن الصين تتحرك في مسيرتها نحو القمة الدولية بأقصى درجة من الرّشادة، فإنه يمكننا استخلاص 3 أمور من توظيف الرئيس الصيني لمصطلح «فخ ثوسيديدس»، أولها أنه يدرك بواقعية حقيقة وضعه الراهن في القمة الدولية، وهو أنه يمثّل قوة مراجعة للقيادة الأميركية للنظام الدولي، وبناءً على هذا فإنه يدرك ثانياً إمكان الصدام بين بلاده والولايات المتحدة، غير أنه ثالثاً يسعى لتفادي هذا الصدام، وهو ما يتسق مع ما نعرفه عن الطابع السّلمي الغالب على السياسة الصينية، حتى في قضيتها الأولى، وهي قضية الوحدة الترابية الصينية واستعدادها التام للجوء للقوة إذا حدث ما يتعارض مع هذا الهدف.
 أما باقي القضايا فهي تؤيد بصفة عامة تسويتها سلمياً، ومن هنا ما صرّح به الرئيس الأميركي من أنها تؤيد عدم امتلاك إيران للخيار النووي، وفتح مضيق هرمز للملاحة الدولية، وليس في هذا جديد، فلا أحد في العالم يؤيد انتشار السلاح النووي، أو تقييد الملاحة في الممرات الدولية، أما تفاصيل التسوية حال استمرار جهود التوصل إليها، أو موقف الصين حال استئناف الأعمال الحربية، فهذا ما يصعب التنبؤ به، لأنه يتوقف على عوامل بالغة التعقيد. 
*أستاذ العلوم السياسية - جامعة القاهرة. 



إقرأ المزيد