بريطانيا واضطراب «ما بعد الليبرالية»
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

 قبل شهر، أثارت هزيمة حزب «فيدس» بقيادة فيكتور أوربان في المجر، موجة من التعليقات الليبرالية المتفائلة حول انحسار محتمل للنزعة الشعبوية والقومية. وسعت حكومة أوربان بشكل متعمّد إلى دعم نخبة فكرية تتبنى أفكار «ما بعد الليبرالية»، وتحمّس الكثيرون لفكرة أن سقوطها قد يضعف هذا التيار في العالم الغربي، عبر حرمان رموزه من الامتيازات التي كانوا يحصلون عليها، مثل الرحلات الممولة، والمنح المالية، والمؤتمرات الأكاديمية.

وسادت شكوك في تلك الفرضية بعد الانتخابات مباشرة، وهناك مثال محدد يوضح لماذا لن يتراجع عصر ما بعد الليبرالية: أحدث جولة من انتخابات المجالس المحلية في بريطانيا، والتي مُنيت فيها حكومة كير ستارمر، التي تُمثل الليبرالية الوسطية، بهزيمة متوقعة ولكنها كارثية. ومن أبرز نتائج الانتخابات استمرار صعود حزب «الإصلاح»، الحزب الشعبوي الناشئ بقيادة نايجل فاراج. وأصبح حزب «الإصلاح» الآن أكثر شعبية من حزب «العمال» بزعامة ستارمر أو حزب «المحافظين» المتعثر، ويحظى فاراج بفرصة ممتازة لتولي منصب رئيس الوزراء بعد الانتخابات الوطنية المقبلة.

ونظراً لاحتمالية فوز جوردان بارديلا، زعيم حزب التجمع الوطني الشعبوي في فرنسا، برئاسة البلاد عام 2027، فمن الممكن أن يشهد الغرب بعد دونالد ترامب وصول القوميين إلى السلطة في كل من لندن وباريس، بغض النظر عما سيحدث في واشنطن. وعند الحديث عن ما بعد الليبرالية، لا ينبغي التركيز على صمود أيديولوجية محددة، بل على استمرار وضع سياسي عام، ومجموعة من الظروف القائمة بغض النظر عمن يتولى السلطة، سواء كان أوربان أو ترامب أو فراج، فيما يعتبر أزمة في الحكم الغربي بغض النظر عن مراكز الأبحاث الشعبوية أو الخطط الرجعية.

ويمكن رؤية تلك الأزمة في بريطانيا ليس فقط من خلال النظر إلى مكاسب حزب «الإصلاح» في المجالس المحلية، بل أيضاً إلى السياق الأوسع لتلك الانتصارات: مشهد انتخابي شديد الانقسام، لا يقترب فيه أي حزب، ولا حتى حزب «الإصلاح»، من تحقيق أغلبية ساحقة من الأصوات. كما يظهر هذا في تزايد التشدد بين الشباب التقدميين، وهو ما جعل حزب «الخضر» الوجهة الطبيعية لليسار. ويتجلى أيضاً في صعود الأحزاب القومية في ويلز واسكتلندا، وظهور قومية إنجليزية واضحة بوصفها قوة إنجليزية يمينية جديدة. ويظهر كذلك في صعود مرشحين من أقليات عرقية وطائفية يفوزون بأصوات المهاجرين المسلمين في المدن البريطانية، وغالباً ما يخوضون حملاتهم الانتخابية على أساس الحرب في قطاع غزة بدلاً من القضايا المحلية.

ويتزايد خطر الصراع العرقي الديني، الذي لا يقتصر على الانقسامات بين السكان الأصليين والمهاجرين فحسب، بل يتضح أيضاً في تصاعد معاداة السامية والتوتر بين مختلف الجماعات المهاجرة لاسيما بين الهندوس والمسلمين.ويمثل واقع ما بعد الليبرالية أزمة سياسية حقيقية ناجمة عن ثلاثة عوامل رئيسية: الشيخوخة السريعة وانخفاض معدلات المواليد في الاقتصادات المتقدمة، واللجوء إلى الهجرة الجماعية كحل ديموغرافي يُثير توترات عرقية ودينية متنوعة، والإنترنت كمصدر ليس فقط للتطرف، بل أيضاً للتشاؤم والشلل وخيبة الأمل الفورية من القادة السياسيين. إضافة إلى بقاء تأثيرات الذكاء الاصطناعي غير واضحة وغير مؤكدة.

ولأن الأزمة متعددة الأوجه، وذات مكونات اجتماعية وثقافية وتكنولوجية، تبقى ثابتة بغض النظر عن نتائج الانتخابات، لا يمكن معالجتها بمجرد تحديد مجموعة من الشخصيات السيئة والتخطيط لهزيمتهم. هذا لا يعني أن النقاشات الفكرية والأيديولوجية عديمة الجدوى. إذا كنت تعتقد أن الأكاديميين والكتاب اليمينيين الذين يتبنون سياسات «ما بعد الليبرالية» شبه فاشيين، وأنهم يُفاقمون الأزمة الغربية، فلك كامل الحرية. لكن لا تخدع نفسك بأن السبب وراء ترجيح تولي فاراج منصب رئيس وزراء بريطانيا القادم، هو أن الكثير من البريطانيين الساذجين، قد انخدعوا بكتاب باتريك دينين «لماذا فشلت الليبرالية».

وينطبق النقد نفسه على نهج اليمين في الوصول إلى السلطة. فقد انتُخبت إدارة ترامب، جزئياً، بسبب النفور من نزعات ما بعد الليبرالية في اليسار التقدمي، الذي ساد فيه مناخ من الرقابة والهوس الأيديولوجي والتمييز ضد البيض. لذلك، كان لدى الإدارة مبرر وجيه لإثارة النزاعات حول تمويل الجامعات والمنظمات غير الحكومية، والتعامل مع الوعي الاجتماعي وممارساته المرتبطة به كخصوم سياسيين.

ويتطلب كسب معركة الحكم في ظل ظروف ما بعد الليبرالية، بالنسبة للمحافظين، إيجاد سياسة مالية تُعيد توزيع الثروة بشكل أقل لصالح كبار السن وأكثر لصالح الشباب، رغم حق النقض الذي يتمتع به كبار السن، أو سياسة هجرة يمكن أن تستمر قيودها لأكثر من دورة انتخابية واحدة، أو استراتيجية سياسية تحافظ على تأييد عدد ملائم من الناخبين المترددين، في ظل ظروف اجتماعية وتكنولوجية تُقوض الأغلبية بمجرد تحقيقها، أو رؤية أخلاقية تستند إلى جذور أعمق من التوافق الهش الذي ساد بعد الحرب الباردة، دون أن تبدو متعصبة أو طائفية.

*كاتب أميركي.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»
 



إقرأ المزيد