جريدة الإتحاد - 5/21/2026 10:21:45 PM - GMT (+4 )
إن هجوم شاب من أصول مغربية، ولِد في إيطاليا، على مجموعة من المواطنين العزل، في مدينة مودينا الإيطالية، ليس حادثاً منفصلاً عن سياقه، بل علامة على أزمة أعمق تضرب البنية الثقافية والروحية والسياسية في أوروبا والعالم منذ عقود. أزمة يجري غالباً التعامل معها عبر التبسيط أو الإنكار أو الاكتفاء بتفسيرات مريحة تُخفّف وطأة القلق من دون أن تقترب من جوهر المشكلة. فكلّما ضرب الإرهاب مدينةً غربية، يتكرّر المشهد ذاته تقريباً. يتم التركيز على أسماء الضحايا، وصور الجاني، وبيانات الإدانة، ووعود الطمأنة الرسمية. ثم لا يلبث الحدث أن يتراجع تدريجياً إلى هامش الذاكرة العامة، وكأنّه واقعة معزولة أو انفجار عابر في جسدٍ سليم. غير أنّ السؤال الحقيقي يبقى معلّقاً في الضمير الإنساني بلا جواب: كم من الحوادث تحتاج المجتمعات الحديثة قبل أن تجرؤ على مواجهة الأزمة في جذورها لا في أعراضها؟
لقد أصبح من المألوف توصيف العمليات الإرهابية بـ«حوادث فردية» أو «ذئاب منفردة» أو «اضطرابات نفسية معزولة»، رغم تكرار الأنماط ذاتها والخلفيات الفكرية نفسها. إن تجاهل المشكلة لا يلغي وجودها، بل يمنحها وقتاً إضافياً للنمو والتوغل والخروج عن السيطرة. والخطر الأكبر أن تعتاد المجتمعات على الخوف، على صفارات الإنذار، والإجراءات الأمنية، والمدن المحاصرة، والأشلاء، والضحايا العشوائيين، والإحساس الدائم بالتهديد. فحين يصبح الخوف جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية، تكون المجتمعات قد بدأت تخسر شيئاً من روحها وحريتها.
الإرهاب لا يولد من الفراغ، ولا يتحوّل الإنسان فجأة من مواطن صالح إلى أداة للكراهية من دون بيئة فكرية تمهّد لذلك وتمنحه التبرير الأخلاقي أو الديني. خلف كلّ عنفٍ توجد دائماً سرديّة تُجرّد الآخر المختلف من إنسانيته، وتحوّل الاختلاف إلى تهديد، والمعارضة إلى خطيئة، والموت إلى واجبٍ مقدّس. وخلف كل إرهابي يوجد اقتناع ثابت بأن ما يقوم به مقدس، وضروري، ومن أجل خير أكبر وأسمى.
هذه الآلية ليست حكراً على ثقافة بعينها أو دين بعينه، بل عرفها التاريخ الإنساني بأشكال متعددة. فكلّ أيديولوجيا شمولية تدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، سواء كانت دينية أو قومية أو سياسية، تحمل في داخلها قابلية إنتاج الإقصاء والتعصّب والعنف. وكل فكر يقوم على كراهية المختلف يقود حتماً إلى تبرير العنف وتقديس الإرهاب.
إن جزءاً كبيراً من العمليات الإرهابية التي شهدتها أميركا وأوروبا والغرب وأفريقيا والشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة ارتبط بتنظيمات متطرفة تتغذّى من نفس القراءة المتشددة للدين وتستند إلى خطاب يبرّر العنف باسم المقدّس وإلى نصوص وتفسيرات دينية. وإنكار هذه الحقيقة خوفاً من الاتهام بالتعصّب لا يخدم التعايش، بل يؤخّر فقط أي مقاربة أو معالجة حقيقية وجادّة للأزمة.
الأكثر إيلاماً أنّ كثيراً من منفّذي هذه الهجمات ليسوا قادمين من جغرافيا بعيدة، بل هم أبناء المجتمعات الأوروبية نفسها. وُلدوا فيها، وتعلّموا في مدارسها، وتكلّموا لغاتها، وبدوا ظاهرياً مندمجين في نسيجها الاجتماعي. ومع ذلك نما داخل بعضهم شعور عميق بالقطيعة أو الرفض أو العداء أو الانعزالية تجاه المجتمع الذي احتضنهم. ومن السذاجة اختزال هذه الظاهرة في الفقر أو التهميش الاجتماعي وحدهما. فملايين البشر يعيشون ظروفاً قاسية من دون أن يتحوّلوا إلى قتلة.
علينا جميعاً التحلي بشجاعة التوقّف عند دور الأفكار، لأنّ الأفكار تصنع الوعي، والكلمات تُشكّل الضمير، والسرديات الدينية والثقافية قادرة على إعادة تشكيل علاقة الإنسان بالعالم وبالآخرين. حين ينشأ شاب على خطاب يقسم العالم إلى مؤمنين وكفّار، أطهار وأنجاس، أصدقاء وأعداء، فإنّ وعيه يتعرّض تدريجياً للتشويه. وحين يتحوّل الدين من تجربة روحية وأخلاقية إلى هوية مغلقة ومطلقة، يصبح خطر التطرّف أكثر حضوراً واتساعاً.
إنّ حرية المعتقد، والمساواة بين الرجل والمرأة، وبين جميع البشر، وكرامة الإنسان، وحرية الضمير، وصون الحياة، وحق الفرد في أن يؤمن أو لا يؤمن، ليست امتيازات غربية قابلة للمساومة السياسية، بل مكتسبات إنسانية كونية ينبغي أن تُصان للجميع بلا استثناء، وتفرض على الجميع بلا استثناء. إنّ الدفاع عن الإنسان يقتضي جرأة نقد كلّ خطاب ينتهك إنسانيته، حتى وإن ارتدى لغة مقدّسة أو شعارات أخلاقية. وعدم التساهل مع أيّ فكر ثقافي أو ديني يبرّر العنف أو يشرعن اضطهاد المختلفين، أو يتساهل مع التحريض على كراهية الآخر.
وهنا نؤكد أنّ الردّ لا يمكن أن يكون بالكراهية أو بالحرب على الشعوب والأديان، لأنّ ذلك سيكون انتصاراً مجانياً للتطرّف نفسه. التحدّي الحقيقي يكمن في بناء ثقافة قادرة على التمييز بين الإيمان والتعصّب، بين الحرية الدينية والعنف المؤدلج، بين التسامح والتفريط، وبين الانفتاح وفقدان البوصلة الأخلاقية، بين المقدس والفاسد.
إنّ حادث مودينا ليست سوى عَرَض وكلّ عرض يتم تجاهله يتحوّل مع الوقت إلى مرضٍ سرطاني مدمر. والمجتمعات لا تنجو إلا حين تمتلك شجاعة النظر إلى جراحها بصدق، من دون إنكار، ومن دون أوهام.
إقرأ المزيد


