النفاذ الاستراتيجي.. الركيزة المنسية
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

ترتكز القوة العسكرية الأميركية على ركيزتين أساسيتين، الأولى هي التفوق التكنولوجي متمثلاً في أساطيل القاذفات بعيدة المدى، وحاملات الطائرات، وطائرات التزود بالوقود جواً، بالإضافة إلى قدرات النقل الجوي الثقيل الضخمة التي تتيح للولايات المتحدة نقلَ قواتها بسرعة عبر أنحاء العالم. أما الركيزة الثانية، فهي الأقل ظهوراً، لكنها لا تقل أهميةً، وهي النفاذ الاستراتيجي، أي شبكة القواعد الخارجية واتفاقات الدول المضيفة التي تتيح لها نشرَ قواتها وقدراتها العسكرية عالمياً.
ومن دون القدرة على الوصول إلى المطارات والموانئ ومراكز الإمداد والمعدات المتمركزة مسبقاً في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا، ستتراجع قدرةُ الولايات المتحدة بصورة حادة على ردع خصومها وطمأنة حلفائها. وذلك لأن المعدات العسكرية تستطيع قطع مسافات شاسعة، لكنها تظل على الدوام بحاجة إلى الوقود والصيانة والدعم الاستخباراتي، وإلى مناطق تمركز وانطلاق آمنة. ويُعد النفاذ الاستراتيجي البنية التحتية التي لا غنى عنها في الحروب الحديثة.
ويُقدم التاريخ مثالاً مُلهماً في هذا المجال، ففي القرن الـ 19 هيمنت بريطانيا على البحار، ليس لامتلاكها أقوى أسطول بحري في العالَم فحسب، ولكن أيضاً لسيطرتها على شبكة واسعة من محطات تزويد السفن بالفحم، شبكة كانت تمتد من جبل طارق ومالطا إلى عدن وسنغافورة وهونغ كونغ. وقد مكّنت هذه المرافقُ البحريةَ الملكيةَ البريطانيةَ مِن حماية طرق التجارة، وتأمين المحيطات، ودعم إمبراطوريتها العالمية.
كما أنتجت بريطانيا واحداً من أجود أنواع الفحم في العالم، وهو ما شكّل ميزةً حاسمةً في عصر البخار. واعتمدت السيادة البحرية على ضمان الوصول إلى الوقود بقدر اعتمادها على عدد السفن التي ترفع العلَمَ البريطاني.
وتجلّت أهميةُ هذه الشبكة بوضوح خلال الحرب الروسية اليابانية عامي 1904و1905، حيث أرسلت روسيا أسطولَ البلطيق في رحلة شاقة حول نصف الكرة الأرضية لمحاربة اليابان. وكشف اعتمادُ ذلك الأسطول على محطات التزويد بالفحم الأجنبية عن جانب من الهشاشة اللوجستية لدى قوة عظمى تفتقر إلى نظام دعم عالمي خاص بها، أي إلى شبكة نفاذ استراتيجي عالمية. وعندما وصل الروسُ إلى شرق آسيا، كانت سفنُهم وطواقمُهم منهكةً. وفي معركة تسوشيما، مُنُوا بهزيمة ساحقة على يد اليابان.
وقد غيّر الانتقالُ مِن الفحم إلى النفط، قبيل الحرب العالمية الأولى، تكنولوجيا الحرب البحرية، لكن المبدأ الأساسي ظل ثابتاً، إذ لا تزال القوى العظمى بحاجة إلى ضمان الوصول إلى الوقود والقواعد وسلاسل الإمداد لدعم العمليات العسكرية التي تخوضها بعيداً عن أراضيها.
ولا يزال هذا الدرسُ بالِغَ الأهمية في عصرنا الحالي، ففي حرب إيران الدائرة حالياً، تعتمد العمليات الأميركية اعتماداً كبيراً على قدرات الوصول إلى قواعد في الشرق الأوسط وأوروبا. ومن دونها، ستواجه الطائراتُ الأميركيةُ فتراتِ طيرانٍ أطول، ومعدلاتِ طلعاتٍ جوية أقل، وقيوداً لوجستية أكثر صعوبةً.
 وقبل الآن، قادت الولاياتُ المتحدة حرباً ناجحةً ضد العراق عام 1991، عقب غزو صدام حسين للكويت في أغسطس 1990. لكن من أهم عوامل تحرير الكويت كان تمركز نصف مليون جندي في المنطقة. 
 وإذا قررت إدارة الرئيس دونالد ترامب استخدامَ القوات البرية لمحاربة إيران في الصراع الحالي، فسيكون الوصول المماثل من دول الشرق الأوسط ضرورياً. وينطبق المنطقُ نفسُه في شرق آسيا، حيث يُشكل الوصولُ إلى قواعد في اليابان وكوريا الجنوبية وغوام، وغيرها، أساساً للردع الأميركي هناك.ويحظى النفاذ الاستراتيجي باهتمام إعلامي أقل بكثير من قاذفات الشبح وحاملات الطائرات والذخائر الموجَّهة بدقة. ومع ذلك، فمن دون الاتفاقيات السياسية والبنية التحتية المادية التي تسمح للقوات الأميركية بالعمل في الخارج، ستكون حتى أكثر الأسلحة تطوراً محدودةَ الفعالية.ولا تعتمد مصداقية أميركا العالمية على ما تمتلكه من أصول عسكرية فحسب، بل على أماكن نشرها أيضاً. ويُعد الوصولُ الاستراتيجيُّ البنيةَ الخفيةَ للقوة، وسيكون الحفاظ عليه أمراً محورياً لتوازن القوى العظمى في العالم مستقبلاً. وإذا أمر ترامب بمزيد من سحب القوات الأميركية من أوروبا، فإن قدرةَ الولايات المتحدة على تقديم الدعم لحلفائها في الشرق الأوسط ستتضرر بشكل أو بآخر.


*مدير البرامج الاستراتيجية بمركز ناشونال انترست -واشنطن



إقرأ المزيد