جريدة الإتحاد - 5/22/2026 12:23:36 AM - GMT (+4 )
كانت امرأة من ذاك الوقت، عرفت كيف تتبع شغفها في زمن المرأة كانت محوطة بأسرارها الأنثوية، وموانعها المسيّجة من مجتمع فيه المنقود والمعنى والسنع والذرابة والحشمة، للرجال كلمتهم التي تقلط على الجميع، وأولهم المرأة، من أخت وبنت وبنت خال وعم وحتى الجارة، كانت خطوط وحظوظ المرأة في الحياة تسير وفق نهج واحد، ترعى الغنم في صغرها، وتتعلم أمور البيت تدريجياً من أمّها وجدّتها، تدرس القرآن في صغرها، وفي شبابها تنتظر ذاك الزوج الذي سينقلها من بيت أهلها لبيتها الجديد الذي عليها أن تملأه بالأولاد، وليت بكرها يكون ولداً.
في ذلك الوقت الصعب والعصيّ، برزت هي كشجرة سمر موحشة في وادٍ خالٍ، لا تتذكر أباً، إلا ما ترويه جدتها لها أنه ذات ليلٍ غار على قوم، وأصبح من «صيدات أمس»، لا يُعرف له قبر، إلا ما تناقله الرواة أنه وحسب نواميس الصحراء تُترك جثة الغازي للطير الجارح وسباع الليل، أما أمّها فلا ترى فيها إلا أنها مسكينة ظلمتها الحياة، واقتنعت هي بذلك، وأنها طيبة، ويمكن أن تفارق الحياة في أي لحظة، ثمة أشياء كثيرة دُفنت فيها، وأثقلت جسدها، وربما سمّمته، كانت تراها تذوي يوماً بعد يوم.
كانت شرسةً وطبعها حاداً، ويقال إنها ظهرت على أبيها، لكن ما أبقاها في ذاكرة الواحة، هي تلك الحادثة التي تناقلتها أم سبع البلادين لاحقاً وطويلاً، وبقي الرجال إخوان شمّا يردّدونها بفخر، عادّينها هي شمّا أو من إخوات شمّا.
كانت ترعى بالقرب من المرايغ غنم جدتها حينما مرّ بها رجل من الجنوب على ناقته، فطمع فيها، والمكان خلاء، ولا فيه غير هي، وأردفها خلفه، قاصداً البعيد، والفرح بذاك المغنم ذلك اليوم، لم يكن يدري أن تلك البنت الخفيفة اللحم، السريعة الوثب قد تغرز في خاصرته ذاك السوط المدبّب الذي كانت تهشّ به عن غنمها، وكسرته وخبأت نصفه في ثوبها، كان يشبه رمحاً من حجر، طعنته أثناء خبيب ناقته، فرحه بمغنمه، حتى لامس عمود الظهر، وأغشي عليه، وسقط من على ظهر ناقته المنطلقة التي سارت على وجهها، ثم عادت على متلى أثرها حتى بركت عند صاحبها الذي كان ينازع الروح، وعيناه تبرقان بالانتقام حتى انطفأتا وهي تراقبهما بذاك الحجر الذي يثقل يدها، أخذت خنجره ورجعت راكضة تتبع أثر الناقة حتى كادت الشمس تغيب قبل أن تصل لغنماتها، والعياء والعطش كادا يقضيان عليها، لكنها حين سمعت تطريب الدبش، فرحت وشعرت بالأمان والقوة من جديد، حوشتها في تلك الظلمة، وتبعت هي مسير ماشيتها التي تعرف دربها في ظلمة أو سفر حتى أوصلتها للدار.
سرت قصتها في تلك الواحة، وليلتها سمعت طلقات البنادق، والفرح بولادة فارس جديد في أم سبع البلادين.
إقرأ المزيد


