ولاية الفقيه.. التهديد العابر للحدود
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

منذ قيام ثورة الخميني في إيران، لم يكن القلق الخليجي من مشروع سياسي على حدود الخليج، بل كان إدراكاً مبكراً بأن المنطقة مقبلة على تطورات سياسية وأيديولوجية تتجاوز حدود الإقليم. فمع اتساع خطاب «تصدير الثورة» الذي تبنّاه نظام الخميني، بدأت دول مجلس التعاون تدرك أن الخطر لا يتمثل فقط في التهديدات العسكرية التقليدية، بل في بناء شبكات نفوذ وتنظيمات مرتبطة بمفهوم ولاية الفقيه، تعمل داخل الدول والمجتمعات تحت عناوين دينية أو سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، بينما تحمل في جوهرها مشروعاً يهدّد سيادةَ الدول واستقرارَها الوطني.
ومع مرور السنوات، لم تَعُد هذه المخاوف مجردَ تحليلات أو تخمينات، بل تحولت إلى وقائع أمنية موثقة. ففي دولة الإمارات العربية المتحدة تم الكشف عن خلايا وتنظيمات مرتبطة بأجندات خارجية حاولت استغلال البُعد الطائفي لبناء شبكات ولاء تتجاوز مفهومَ الدولة الوطنية. كما شهدت المملكة العربية السعودية على مدى عقود عمليات إرهابية وخلايا مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني وتنظيمات موالية له. أما مملكة البحرين فكانت واحدةً من أكثر الدول تعرُّضاً لمحاولات الاختراق والتأثير، عبر دعم جماعات وتنظيمات مرتبطة مباشرة بالحرس الثوري و«حزب الله» اللبناني التابع لإيران، وصولاً إلى الإعلان الأخير عن تنظيم إرهابي يضم عشرات العناصر في الداخل والخارج، في مؤشّر واضح على أن مشروع «تصدير الثورة» لا زال مستمراً ويعمل بأساليب متجددة.
وفي الكويت كشفت السلطات في فترات مختلفة عن خلايا مرتبطة بـ«حزب الله» والحرس الثوري، في حين لم تكن قطر بمنأى عن محاولات التأثير والاختراق ضمن البيئة الخليجية الحساسة. وحتى سلطنة عُمان التي عُرفت بسياسة الحياد والهدوء الدبلوماسي، لم تَسلم مِن تداعيات هذا المشروع، مما يؤكد أن الاستهداف لم يكن مرتبطاً بمواقف سياسية ظرفية، بل برؤية استراتيجية تنظر للخليج كساحة نفوذ متاحة للمشروع الإيراني.
والخطير في هذه التنظيمات أنها لا تُزرع بصورة تقليدية، بل عبر آليّات تعتمد على الاستقطاب الفكري، والتمويل السري، وبناء الولاءات العابرة للحدود، واستغلال الشعارات الدينية والسياسية. وهذه من أكثر الأدوات التي تستخدمها التنظيمات المرتبطة بالمشاريع العقائدية العابرة للدول. والتجارب الدولية تؤكد أن الجماعات المرتبطة بأيديولوجيات ثورية أو عابرة للحدود تعمل غالباً على التغلغل داخل المجتمعات، مستفيدةً من المؤسسات الاجتماعية والإعلامية والخطاب التعبوي، قبل أن تتحول إلى أدوات ضغط سياسي أو أمني أو حتى عسكري.
ولهذا، فإن المواجهة لا يمكن أن تكون أمنيةً فقط، رغم أهمية العمل الأمني والاستخباراتي في تفكيك هذه الشبكات والقضاء عليها، بل المطلوب أيضاً تعزيز مفهوم الدولة الوطنية، وترسيخ الهوية الجامعة، وتجفيف منابع الخطاب الطائفي، ومراقبة التمويلات الخارجية، ورفع الوعي المجتمعي تجاه مخاطر التنظيمات المرتبطة بولاءات خارجية. كما يبقى بناء الثقة بين المواطن الخليجي ودولته هو الأهم، فالتنظيمات العابرة للحدود تنمو غالباً في البيئات التي تعاني من الفراغ والانقسام، ولهذا كان يتم كشف هذه التنظيمات بسرعة كبيرة في كل مرة تحاول فيها اختراق إحدى الجبهات الداخلية لدولة من دول الخليج العربية. 
وقد أثبتت الوقائع الأخيرة أن دولَ الخليج لم تكن تبالغ حين نظرت بقلق إلى مشروع ولاية الفقيه وأذرعه التنظيمية، والوقائع الأمنية التي تكشّفت تباعاً في أكثر من دولة خليجية تؤكد أن المنطقة تقف أمام مشروع منظّم يسعى إلى إعادة تشكيل موازين النفوذ عبر أدوات سرية وتنظيمات مرتبطة به. ومن هنا، فإن حماية أمن دول مجلس التعاون لم تَعُد مسؤولية أمنية فحسب، بل مسؤولية استراتيجية شاملة تتطلب وعياً سياسياً ومجتمعياً وفكرياً يحصّن دولَ المجلس ويحمي أمنَها واستقرارَها ومستقبلَها.


*كاتبة إماراتية



إقرأ المزيد