جريدة الإتحاد - 5/27/2026 11:49:30 PM - GMT (+4 )
حوكمة الاستدامة هي الإطار الذي يُركّز على دمج الاعتبارات البيئية والاجتماعية والاقتصادية في سياسات المؤسسة لضمان استدامتها على المدى الطويل. وتهدف هذه الحوكمة إلى تحقيق التوازن بين تحقيق الأرباح والمسؤولية تجاه المجتمع والبيئة، وإلى الحد من التأثير السلبي للمؤسسات على البيئة، حيث تحتاج حوكمة أهداف التنمية المستدامة إلى تعزيز بيئة مواتية للعمل الجماعي، وضمان محاسبة الجهات الفاعلة المعنية، والتعامل مع المقايضات المعقدة الناشئة بين الأهداف.
وتُعد الحوكمة الركيزة الأساسية لاستدامة المشاريع، إذ تضمن استمرارية الأعمال، وتخصيص الموارد بكفاءة، وتوحيد الجهود نحو تحقيق الأهداف الاستراتيجية بعيداً عن المخاطر. كما تعزز الحوكمة ثقةَ المستثمرين وأصحاب المصلحة من خلال معايير الشفافية، المساءلة والالتزام. ومن هذا المنطلق حددت الأممُ المتحدة التنميةَ المستدامة كهدف أساسي لجميع الدول في العالم بحلول عام 2030، وذلك عن طريق اعتماد سبعَة عشر هدفاً للتنمية المستدامة، تنوعت بين الأهداف الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، وسّلطت الضوء على التفاعل المعقد بين التنمية الاقتصادية والرخاء الاجتماعي والتوازن البيئي.. وكل ذلك بهدف الاستخدام الفعّال للموارد المتاحة بغية تلبية احتياجات الوقت الحاضر مع حماية حقوق الأجيال القادمة.
وركائز الحوكمة الفعّالة هي عناصر لابد منها في كل مؤسسة ناجحة، كالدعم، والتحدي، والتدقيق، والإدارة الرشيدة، والاستراتيجية. وفي مجال المشاريع الاستراتيجية يجب أن تكون الحوكمة إطاراً إدارياً يبتغي تحقيقَ التوازن بين الأداء الاقتصادي والمسؤولية البيئية والأثر الاجتماعي أثناء تخطيط وتنفيذ وإدارة المشاريع. وهي تجمع بين مبادئ الحوكمة الرشيدة والاستدامة لضمان نجاح المشروع على المدى الطويل، دون الإضرار بالمجتمع أو الموارد الطبيعية.
ولتطبيق الحوكمة المستدامة الفعالة يجب توفر عدة عناصر مهمة، مثل وضع سياسات واضحة للاستدامة داخل المشروع، وتحديد مؤشرات أداء مستدامة لقياس التقدم، وإشراك أصحاب المصلحة في اتخاذ القرار، وإدارة المخاطر البيئية والاجتماعية بشكل استباقي، وإعداد تقارير دورية عن الأداء والاستدامة، بالإضافة إلى استخدام التكنولوجيا والتحول الرقمي لتحسين الكفاءة والشفافية. ويمكن تطبيق هذه المعايير على مشاريع معينة، مثل مشاريع البناء الأخضر التي تعتمد على الطاقة المتجددة، والمشاريع التي تراعي الأثر البيئي المجتمعي، وكذلك الشركات التي تدمج تقارير الاستدامة مع إدارة المشاريع وتطبق الحوكمةَ في أعمالها. وتشير الحوكمة إلى الأنظمة والهياكل التي توجِّه عمليات الشركات وعمليات صنع القرار فيها، ويشمل ذلك مرونةَ نموذج أعمال مجالس الإدارة، وأخلاقيات العمل، ومكافآت المديرين التنفيذيين، وحقوق المساهمين، والمخاطر المتعلقة بالمناخ، والسلوك التنافسي، وإدارة المخاطر، وإدارة البيئة القانونية والتنظيمية.
إن دمج الاستدامة في إدارة المشاريع يتجاوز مجردَ معالجة المخاوف البيئية، إذ يتعلق بضمان الاستدامة طويلة الأجل لكل من المشاريع الفردية والمنظمات التي تضطلع بها.
ويعزز النهجُ المستدام الاستخدامَ الكفء للموارد، ويقلّل من توليد النفايات، ويقلّل من البصمة البيئية للمشاريع، مع مراعاة العوامل الاجتماعية والاقتصادية.. ضِمن هذا المنظور الشامل الذي يُشار إليه عادةً باسم الخطوط الثلاثة الأساسية. إن المشاريع في هذا المنظور لا تحقق أهدافها المالية فحسب، بل تسهم أيضاً بشكل إيجابي في المجتمع والبيئة. وهنا يمكن للمشاريع التي تدمج الاستدامةَ بشكل فعّال أن تعزّز سمعةَ الشركات، وتتيح مشاركةً أكبر لأصحاب المصلحة، كما تفتح فرصاً سوقيةً جديدةً مدفوعةً بالابتكار المسؤول.
وإلى ذلك، يمكن أن يوفّر تبني الاستدامة في إدارة المشاريع ميزةً تنافسيةً كبيرةً، مما يؤدي إلى تخفيضات في التكاليف على المدى الطويل من خلال تحسين كفاءة الموارد والتخفيف الفعّال للمخاطر، خاصة في الصناعات المعرّضة للتغيرات التنظيمية أو المخاطر البيئية. كما أن المشروعات التي تدمج مبادئ الاستدامة منذ إنشائها تكون أكثر قدرةً على إظهار القدرة على التكيف مع التحديات المستقبلية، مثل تغير المناخ وندرة الموارد.
وتُعد الحوكمة المحرك الأساسي لنجاح المشاريع في دولة الإمارات، حيث تضمن مواءمتها مع الرؤى الوطنية الطموحة، مثل استراتيجية الحياد المناخي، إذ تسهم الحوكمة الصارمة في رفع كفاءة إدارة الموارد، وفي تحقيق أعلى مستويات الشفافية، مما يضمن تسليم المشاريع الحكومية والتنموية في مواعيدها المحددة وبأعلى جودة.
وينعكس أثر الحوكمة على المشروعات الإماراتية بوضوح عبر عدة محاور استراتيجية، مثل تحقيق المستهدفات الوطنية، والتخطيط الاستباقي، والريادة في معايير الاستدامة والحوكمة بخصوص جذب الاستثمارات العالمية، مما يجعل المشروعات بيئةً جاذبةً لرؤوس الأموال الأجنبية والصناديق السيادية المستدامة، وأيضاً الالتزام بالنموذج الأخضر في إطار دمج حلول الطاقة النظيفة والتقنيات الخضراء في المشاريع الكبرى، مثل مشاريع أدنوك ومجمع محمد بن راشد للطاقة الشمسية. كما تسهم في تعزيز مستويات الشفافية والرقابة الصارمة على الميزانيات التقديرية والمشتريات، حيث يعتمد نجاح إدارة المشاريع في الدولة على نموذج الإمارات للتميّز الحكومي الذي يركّز على الابتكار، واستشراف المستقبل، واستغلال الذكاء الاصطناعي. ويتجه مستقبل الحوكمة نحو التحول الرقمي والمرونة حيث لن تقتصر الحوكمة بعد الآن على القوانين الجامدة، بل ستصبح محركاً ذكياً يتنبأ بالمخاطر ويضمن استدامةَ المشاريع. وسيتشكّل هذا المستقبل من خلال دمج التكنولوجيا المتقدمة بالمعايير البيئية والأخلاقية لضمان نجاح المشاريع الاستراتيجية، حيث ستستخدم الأنظمة الذكية لتحليل البيانات الضخمة والتنبؤ بتعثر المشاريع أو تجاوز الميزانيات قبل حدوثها. وستتحول عمليات التدقيق والامتثال للقوانين إلى عمليات تلقائية ومستمرة بدلاً من التقارير الدورية التقليدية. وستتخلى الأطر المستقبلية عن البيروقراطية لصالح نماذج حوكمة مرنة تواكب التغيرات السريعة في الأسواق والتكنولوجيا. وبهذا ستصبح المعايير البيئية والاجتماعية كلاً لا يتجزأ من الحوكمة، ولن يتم تمويل أو ترخيص أي مشروع مستقبلي لا يثبت حياده الكربوني أو أثره الاجتماعي الإيجابي على المدى الطويل.
*خبير في الطاقة المتجددة
إقرأ المزيد


