سدرة مسجد
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

سدرة تمكُث منذ سنوات طوال، تلامس أغشيتها، بوابة مسجد بن كرم، لها جذور تعمّقت بتراب حارة اندثر ناسها، وفضاؤها يرتقب ممن مروا ذات يوم على غصونها، خضراء وارفة الظلال، قلبها ينبض في بهاء السماء، وسط مدينة العين الجميلة، في طور بداية شارع خليفة، في نسيجها الحياة، مروا عليها وجوه نضرة، ورموا بخطواتهم بعيداً، وتبعثرت بيوتهم ودلالتها، ولم تحضر إلا في الذاكرة، تناء ضجيج الأطفال بالمساءات كانوا يتسابقون إليها، يستديرون حولها، لم تعُد سواها رمز وحشتها تناظر الطريق، تترقب من رحلوا لعلهم يحضرون كآنف الأمس.
مرّ زمن يتلو الحياة، وبرفيف طيورها يتجدد، وتطهر المدينة بمائها، وتتنفس بهوائها الأحلام، بنسمات هادئة، وعصافير تسكنها، رمادية اللون، شجرة سدرة مازالت شاخصة، موسومة جذوعها بأسرار الحياة من حولها، كامرأة طوقتها الكهولة، من وحيها تبقت، جسر زمني يستند على جذوعها، ظلال وارفة، تستعيد ثمارها، كانت أمنيات الصيف، أن تؤكل حبات لؤلؤية بلونها الأحمر، متناثرة وهشة تحتها، زخمة المنبت، حلوة الطعم، رائحة زكية لها منفردة، يحلقون حولها، قبيل خطوات مصلي المسجد، وهم يمرون على عجل، نحو عتبة بوابة الموضأ.
باقية شجرة السدر، زاهية تؤتي أكلها، فارعة في السماء، تنحت بعقارب الزمن طيفها، تولج في وقار يرمز للحياة، وتستمد من عنفوانها المعمر، تاريخ وجودها، تجدد غصونها وتخضّر أوراقها، وتحصّن نفسها من رياح موسمية عاتية، تقف شاهدة على معالم تحول المدينة، وتكتنف حنين الود، وتكتفي من زمنها بعيدها المشرق لزمن يعيدها أكثر نضارة، تدفق حولها محلات المزروعات الباهرة.
سمات لها في مخبأ ذاكرة المكان، ذاكرة طفولة مضت، هيهات تنسى، شغب حقبة تبعث فوضاها في عيون الصغار، سمات شجرة تجسِّد الشوق للبراءة والمكان أينما حملته الرياح والرحيل مازالت صورة الجدران باقية في خيال مبتسم بضحكاتهم، ترسم اللهو في خطواتهم المنسية، لم تعد الممرات الضيقة تحمل غبارها وتكترث للوقت، أو تكتنف في مسارها للأشواك الدامية بقاع أقدامهم، أشواك شجرة السدر كأنها إبر كم غرست في سيقان أقدامهم، تجرح لتمزج من لحاء شجرتها دماء تفجرت أثراً.
ما زالت تمكث شجرة السدر، بزاويتها تدثر شامخة، وجدت لتبقى، ولتنشد للزمن حضورها المعمر، وتصغي لرتم الحياة، وتذعن لفطرة الطبيعة، من اختلاجات زمنية، ربما لا أحد يلتفت إليها، وهي تحاور سكون يقظ يستل منها كاحتفاء أزلي، ربما تمزج الأيام مزجاً بحسها الشفيف، وتسمو بين نسمات عليلة بها طيب روض الأزهار وشفاء يحير العطارين من حولها كلما اشتد وطء الإصابات أتوا بلفيفها وبوريقاتها يضمدون بها الجراح، إنها شجرة لا يستهان بوجودها المعمر.



إقرأ المزيد