جريدة الإتحاد - 5/28/2026 2:11:33 AM - GMT (+4 )
قريباً، ستطرح شركاتُ الذكاء الاصطناعي الكبرى أسهمها للاكتتاب العام مستفيدةً من قيمتها السوقية المرتفعة. وعندها، سيمتلك الكثير من الأذكياء وذوي الشخصيات غير العادية ثروات طائلة، وقد تعهد الكثير منهم بالتبرع بمبالغ كبيرة منها.
ورغم أن مستقبل العمل الخيري الأميركي ليس هو محور الأحداث في عصر الذكاء الاصطناعي، فإنه ليس حدثاً ثانوياً أيضاً. وكما كتبت نان رانسوف، هذا الشهر، على منصة «سابستاك»، فقد تُضيف ثروة الذكاء الاصطناعي قريباً ما يصل إلى 100 مليار دولار إلى التبرعات الخيرية الأميركية سنوياً. وتصف الكاتبةُ ذلك بأنه «موجة ثالثة» محتملة من العمل الخيري، بعد حقبة كارنيغي وروكفلر التي ولّت، وموجة بيل غيتس ووارن بافيت الأخيرة. كما تتوقع أن يركّز هذا التوجه على «التحول نحو الذكاء الاصطناعي» وما يخبئه المستقبل، لا سيما مسائل «الازدهار، والمعنى، وما يجعل الحياة جيدة» في ظل الآلات المتطورة باستمرار.
وبافتراض صحة ذلك التهافت على العمل الخيري والسعي وراء المعنى كدافع تنظيمي، يجب على فاعلي الخير في مجال الذكاء الاصطناعي أن يستلهموا من أسلافهم في العصر الذهبي، ويجعلوا الجمالَ غايةً أساسيةً في العمل الخيري. وعليهم بناء المعالم والتماثيل والمتاحف والجامعات والكاتدرائيات والحدائق العامة، بل وحتى القصور لأنفسهم، حتى يتركوا إرثاً مادياً للأجيال القادمة، لا مجرد سجل للبرامج والنفقات. كما يجب عليهم أن يدركوا أن المعنى يبرز في العمارة والفن والمناظر الطبيعية بقدر ما يبرز في السلع المادية. وكان ذلك إخفاقاً كبيراً في الحقبة الخيرية الأخيرة. ففي أفضل حالاتها، حققت البنية التحتية التي أنشأها أمثال غيتس جهوداً فعالة للحد من الفقر ومكافحة الأمراض، وفي أسوأ حالاتها، أنفقت الأموال على قضايا سياسية رائجة وصيحات تعليمية مؤقتة.
لكن لم يكن هناك إرث حقيقي فيما يتعلق بالبنية التحتية المادية، لا حملات تجميل عمراني ضخمة، ولا معالم معمارية بارزة، ولا ما يُضاهي توسعات العصر الذهبي في المتاحف والمكتبات وقاعات الحفلات الموسيقية، وقليل من مظاهر البذخ الشخصي، مثل قصور نيوبورت أو قلعة هيرست، التي يُمكن أن تصبح في وقت لاحق مقصداً للسياح.
وفي مطلع القرن العشرين، ساهمت التبرعات الخيرية في بناء متحف متروبوليتان للفنون وقاعة كارنيغي، وحرم جامعات فاندربيلت وستانفورد وشيكاغو، وشبكة من الحدائق الحضرية، والعديد من الكنائس الرائعة، ومجموعة من المنازل الخاصة التي ستتحول بدورها إلى مساحات عامة في غضون أجيال قليلة قادمة. ورغم اختلاف الأذواق، لا أعتقد بأنه يمكن مقارنة المعالم التي يُشيدها أثرياء اليوم بتلك الإنجازات. ويعكس هذا جزئياً تحدياتِ البناء في أميركا التي تتسم بمزيد من التنظيم والجمود، كما يعكس جزئياً إخفاقات العمارة المعاصرة. لكن المشكلة أيضاً تكمن تحديداً في ثقافة وادي السيليكون، حيث ترسخت فكرة أن الشخص الثري يكون منشغلاً أكثر من أن يهتم بالذوق والجمال، وأصبحت تلك الفكرة جزءاً من ثقافة التكنولوجيا نفسها، مثل القميص الرمادي البسيط الذي اشتهر به روادها.
وكما كتب ويل مانيديس، رائد الأعمال والمستثمر الأميركي في مجال التكنولوجيا والرعاية الصحية، يبدو أن أثرياء وادي السيليكون يعانون من «رهاب الظهور بمظهر الثري المُتباهي»، أي الخوف من أن تكون ثروتهم الطائلة «ظاهرة للعيان لا مُخفية»، وهو ما يؤدي إلى استعراض مُتصنع للثقافة، حيث يعيش الشخص الثري في عزلة، ويرتدي نفس الملابس كل يوم، ويتناول طعاماً مُصنعاً، حتى يبدو وكأنه ليس لديه الوقت للترف أو التباهي بما يمتلكه، وحتى تتمكن شركته من سحق جميع منافسيها.
لكن الأثرياء لا يُثبتون قيمتَهم للمجتمع من خلال نجاح أعمالهم التجارية فحسب، بل أيضاً عندما يُبتكرون أشياء لا يُمكن توليدها إلا بالوفرة، ولا تتشكل إلا عبر الذوق الرفيع. وتجعل تلك الإبداعات بدورها حياة الناس العاديين أكثر رقياً وعمقاً ومعنى، سواء أكانوا يرتادون مدرسةً، أو يحضرون حفلاً موسيقياً، أو يتجولون في حديقة، أو حتى يزوروا منزل أحد الأثرياء بعد رحيله بسنوات. ولا يقتصر المعنى على الجماليات فحسب، ولكن إذا أرادت استثمارات الذكاء الاصطناعي أن تُؤتي ثمارها في هذا المجال، فلا يمكنها إهمال الجمال كما فعلت الأعمال الخيرية الحديثة.
وقد بدأ باتريك كوليسون، مؤسس شركة «سترايب»، بالفعل في تمويل البحث عن مدارس جمالية جديدة.
ويجب على المؤسسين التقنيين الآخرين الاقتداء به والانطلاق بسيارة ذاتية القيادة من مقرات شركاتهم أو مختبراتهم إلى قصر الفنون الجميلة في سان فرانسيسكو، الذي كان جزءاً من المعرض الدولي الباناما-باسيفيك عام 1915، والذي أقيم بتمويل جزئي من المال العام، وبعض أموال أثرياء ذلك العصر. وكما هو الحال مع المعارض الأخرى المماثلة، تم تفكيك معظم المباني، لكن القصر ظل مفضلاً للكثيرين الذين سعوا للحفاظ عليه، إذ ساهمت إعادة بنائه لاحقاً في ضمان بقائه.
*كاتب أميركي.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»
إقرأ المزيد


