الهند وأوروبا.. الاقتصاد والتكنولوجيا
‎جريدة الإتحاد -
[unable to retrieve full-text content]

أكدت أحدث زيارة لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى أوروبا على توسع العلاقات المستمر بين الهند والغرب، فقد أصبحت أوروبا بالخصوص جزءاً هاماً من حسابات الهند في ظل حالة عدم اليقين الجيوسياسي الناجمة عن الاضطرابات الأخيرة، بدءاً من الرسوم الجمركية المتبادلة التي فرضتها الولايات المتحدة. وصولاً إلى حرب إيران. وقد غيّرت هذه التطوراتُ مجتمعةً أساليبَ التجارة بين الدول، مؤكدةً على أهمية تنويع العلاقات وتعزيزها، لا سيما بين القوى المتوسطة.
وفي هذا السياق، تسعى الهندُ إلى توسيع علاقاتها مع أوروبا، بالتزامن مع سعيها إلى ترسيخ مكانتها في سلاسل التوريد العالمية وتعزيز قدرتها على مواجهة أي صدمات مستقبلية. وقد قام مودي بجولة استغرقت ستة أيام، شملت كلاًّ من هولندا والسويد والنرويج وإيطاليا، بهدف تعميق التعاون الاستراتيجي، فضلاً عن تأمين شراكات رئيسية في مجالَي التكنولوجيا والدفاع. ومن المتوقع أن تتعزز العلاقات التجارية مع المُضي قُدماً في تفعيل اتفاقية التجارة الحرة بين الهند وأوروبا، والتي تم الاتفاق عليها في مطلع العام الجاري. وتُعتبر أهمية أوروبا بالغة للهند، إذ تُعد من أكبر أسواق التصدير الهندية، إلى جانب كونها شريكاً استثمارياً هاماً. كما تُعد مصدراً رئيسياً للتكنولوجيا والابتكار، لاسيما وأن الشركات الأوروبية تلعب دوراً محورياً في قطاعات حيوية كالسيارات والطاقة المتجددة والبنية التحتية والصناعات الدوائية، وهي جميعها قطاعات نمو جوهرية للهند.
وتتزايد أهمية أوروبا بالنسبة للهند مع سعيها لتعزيز قدراتها التصنيعية وتحديث اقتصادها، إذ تمتلك أوروبا التكنولوجيا والابتكار اللازمين للاقتصاد الهندي. كما تُتيح الشراكاتُ مع الدول الأوروبية فرصةً لجذب الاستثمارات، والحصول على تكنولوجيا متقدمة وصديقة للبيئة، وتعزيز الاندماج في تلك المجالات.
وخلال زيارته لهولندا، بحث رئيسُ الوزراء الهندي توسيعَ العلاقات الدفاعية والأمنية، فضلاً عن تعزيز التعاون في مجال أشباه الموصلات أو الرقائق الإلكترونية. كما وقّعت شركة «تاتا إلكترونيكس» الهندية اتفاقيةً مع شركة «إيه إس إم إل» الهولندية العملاقة في مجال التكنولوجيا لإنشاء مصنع للرقائق الإلكترونية غرب الهند، فيما يمثّل تطوراً بالغ الأهمية في سعي الهند لتطوير منظومة متكاملة للرقائق داخل البلاد.
وتطمح الهندُ إلى أن تُصبح لاعباً رئيسياً في تصنيع الرقائق الإلكترونية وسلاسل توريد التكنولوجيا المتقدمة. ورغم تأخرها نسبياً في هذا المجال، إلا أنها سعت جاهدةً إلى تحقيق قفزة نوعية وإنشاء مصانع للرقائق. وقد رفعت الهند وهولندا، التي تُعد من أكبر المستثمرين في الهند، مستوى علاقاتهما إلى شراكة استراتيجية، حيث تهدف خريطة الطريق التي كَشفت عنها الدولتان إلى تعزيز العلاقات في مجالات التجارة والاستثمار، والدفاع والأمن، والتقنيات الحيوية والناشئة، بما يشمل الرقائق الإلكترونية والفضاء والذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية. وفي الوقت نفسه، وافقت هولندا على تسهيل إجراءات الحصول على التأشيرات للطلاب والمهنيين الهنود، وتوفير المزيد من فرص التدريب والدراسة والعمل طويل الأجل في هولندا.
ومن جانبها، ترى أوروبا في تعميق العلاقات مع الهند فرصةً للوصول إلى واحدة من أسرع الاقتصادات نمواً وقاعدة استهلاكية ضخمة، إضافة إلى كون الهند مصدراً مهماً للعمالة في ظل شيخوخة السكان في العديد من الدول الأوروبية. وتعكس زيارةُ مودي سعيَ الهند لتنويع قدراتها التصنيعية وتعزيز روابطها الاقتصادية والاستراتيجية مع الاقتصادات الأوروبية المتقدمة تكنولوجياً، إلى جانب جذب الاستثمارات في مجالات الطاقة النظيفة.
وفي السويد، ألقى مودي كلمةً أمام مائدة مستديرة جمعت كبارَ المديرين التنفيذيين الأوروبيين، حيث ناقش الجانبان هدفَ مضاعفة حجم التجارة والاستثمار الثنائي خلال خمس سنوات القادمة. وقرّر البلَدان الارتقاءَ بعلاقتهما إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، مع تركيز المحادثات على التجارة والتكنولوجيا والدفاع وغيرها من المجالات الرئيسية. كما قررا توسع التعاون السياسي والدفاعي والأمني لتعزيز السلام والأمن والاستقرار والصمود والازدهار المتبادل من خلال ترسيخ الحوار والتنسيق على جميع المستويات ذات الصلة. وشجّع بيانٌ مشتركٌ على المزيد من الاستثمارات السويدية في الإنتاج الدفاعي في الممرات الدفاعية الهندية، مع الأخذ في الاعتبار الاستثمارات السويدية القائمة بالفعل.
أما في النرويج، فأجرى مودي محادثاتٍ ثنائيةً مع رئيس الوزراء جوناس غار ستور، رفعا خلالها العلاقات رسمياً إلى «شراكة استراتيجية خضراء» لتعزيز الاستثمارات في مجال الطاقة النظيفة. وشاركت الهندُ أيضاً في القمة رفيعة المستوى التي عُقدت في أوسلو، والتي ضمّت دولَ الشمال الخمس: النرويج والسويد وفنلندا وآيسلندا والدنمارك.

وأتاحت تلك القمةُ فرصةً لاستعراض التقدم المُحرز في العلاقات الهندية الإسكندنافية، منذ القمة الأخيرة التي عُقدت في كوبنهاغن عام 2022. واتفق الجانبان على إضفاء بُعد استراتيجي أعمق لعلاقات الهند مع دول الشمال، لا سيما في مجالات التكنولوجيا والابتكار، والتحول الأخضر والطاقة المتجددة، والاستدامة، والاقتصاد الأزرق، والدفاع، والفضاء، والقطب الشمالي.وتُظهر زيارةُ رئيس الوزراء الهندي أن تعمُّق التنافس بين القوى العظمى جعل القوى المتوسطة تبدأ في توطيد علاقاتها وسط حالة عدم اليقين التي تعُم النظامَ العالمي. كما أظهرت أن الهند ودول أوروبا، التي تسعى بدورها إلى تنويع اقتصاداتها، تتطلع إلى علاقة مثمرة يبني فيها الجانبان روابط بهدوء، في وضع مُربح للطرفين.


*رئيس مركز الدراسات الإسلامية - نيودلهي



إقرأ المزيد