جريدة الإتحاد - 5/28/2026 11:50:24 PM - GMT (+4 )
في الوقت الذي تتجه فيه الأنظمة الصحية عالمياً إلى إعادة تعريف مفهوم «الأمن الصحي»، لم تعد كفاءة المستشفيات أو وفرة الأجهزة الطبية وحدها معيار الجاهزية، بل أصبحت جودة الكوادر البشرية، وقدرتها على الاستجابة السريعة للأزمات والطوارئ، العامل الأكثر حسماً في قياس قوة المنظومات الصحية واستدامتها.
وفي هذا السياق، تبدو مبادرة «ممرضي الإمارات» التي أطلقها برنامج الإمارات للجاهزية والاستجابة «جاهزية»، خطوة تتجاوز إطار التدريب المهني التقليدي، لتؤسس لمسار استراتيجي جديد في بناء رأس المال الصحي الوطني.المبادرة، التي تُعد الأولى من نوعها على المستوى الوطني، لا تستهدف فقط تأهيل ممرضين إماراتيين وفق معايير دولية، بل تسعى إلى بناء نخبة تمريضية قادرة على إدارة بيئات الطوارئ والكوارث والعمل ضمن منظومات استجابة معقدة ومتعددة الأطراف.
ومن هنا، فإن أهمية المبادرة لا ترتبط بحجمها التدريبي فحسب، وإنما بكونها تعكس تحولاً أوسع في التفكير المؤسسي تجاه مهنة التمريض باعتبارها أحد أعمدة الأمن الوطني الصحي، لا مجرد وظيفة تشغيلية داخل المستشفيات.
وتأتي هذه الخطوة في توقيت بالغ الدلالة، في ظل ما كشفته السنوات الأخيرة من هشاشة نسبية في سلاسل الإمداد الصحية العالمية، والضغوط المتزايدة على الكوادر الطبية خلال الأزمات الكبرى، بدءاً من جائحة «كوفيد-19» وصولاً إلى التحديات المرتبطة بالكوارث الطبيعية والأوبئة العابرة للحدود. وقد دفعت هذه التحولات العديد من الدول إلى إعادة تقييم جاهزيتها الصحية، مع التركيز على الاستثمار طويل المدى في الكفاءات البشرية المحلية، باعتبارها الضمانة الأكثر استدامة في أوقات الأزمات.
وفي هذا الإطار، تبدو الإمارات وكأنها تنتقل من مرحلة «تعزيز القطاع الصحي» إلى مرحلة «بناء منظومة جاهزية صحية متكاملة»، تقوم على التدريب التخصصي، والمحاكاة الواقعية، والاعتماد الدولي، والتنسيق بين المؤسسات الصحية والأكاديمية. وهو ما يظهر بوضوح في طبيعة الشراكات التي أعلنتها المبادرة مع مؤسسات دولية متخصصة، من بينها المركز الأوروبي لطب الكوارث، والمؤسسة الأميركية للتمريض، والجمعية الأميركية للعناية المركزة.
اللافت في المبادرة أيضاً أنها لا تتعامل مع التمريض بوصفه مهارة تقنية جامدة، بل كمجال معرفي متطور يتطلب مهارات التفكير النقدي واتخاذ القرار السريري والعمل تحت الضغط. وهذا التحول يعكس إدراكاً متزايداً بأن مستقبل الرعاية الصحية لن يعتمد فقط على الخبرة الطبية التقليدية، وإنما على القدرة على دمج المعرفة السريرية مع التكنولوجيا والتحليل السريع والاستجابة متعددة المسارات.
استشرافياً، من المتوقع أن تتسارع أهمية هذا النوع من المبادرات خلال السنوات المقبلة، خصوصاً مع توسع استخدامات الذكاء الاصطناعي، وتقنيات المحاكاة والواقع الافتراضي، وأنظمة التنبؤ المبكر بالمخاطر الصحية. فالتطور التكنولوجي، رغم قدرته على تحسين كفاءة الخدمات الطبية، سيزيد في المقابل الحاجة إلى كوادر بشرية مؤهلة تمتلك القدرة على إدارة هذه التقنيات وتحويلها إلى قرارات عملية داخل بيئات العمل الطبية المعقدة.
كما أن الاستثمار في الكفاءات التمريضية الوطنية يحمل أبعاداً اجتماعية وتنموية تتجاوز القطاع الصحي ذاته. فرفع جاذبية المهنة، وتوسيع فرص التدريب والتخصص، وتعزيز المكانة المهنية للممرضين المواطنين، كلها عوامل تسهم في خلق سوق عمل صحي أكثر استدامة، وتدعم توجهات الدولة نحو توطين القطاعات الحيوية وتقليل الاعتماد على الكفاءات الخارجية في الوظائف الحساسة.
ولا يمكن فصل هذه المبادرة عن التحولات الأوسع التي تشهدها المنظومة الصحية في الإمارات، سواء على مستوى التغطية الصحية الشاملة، أو التحول الرقمي، أو تطوير البنية التشريعية والتنظيمية للرعاية الصحية. إذ تشير هذه المسارات مجتمعة إلى أن الدولة تتبنى رؤية طويلة الأمد تقوم على الانتقال من نموذج «الرعاية العلاجية» إلى نموذج «الجاهزية الوقائية والاستجابة الاستباقية».
إن «ممرضي الإمارات» ليست مجرد مبادرة تدريبية مرتبطة بمناسبة مهنية، بل هي مؤشر على إعادة تشكيل مفهوم التمريض باعتباره قوة استراتيجية ضمن منظومة الأمن الصحي الوطني. ومع استمرار تسارع المخاطر الصحية عالمياً، يبدو أن الدول الأكثر قدرة على حماية مجتمعاتها لن تكون تلك التي تمتلك المستشفيات الأكبر فقط، بل تلك التي نجحت في بناء كوادر بشرية قادرة على الاستجابة، والتكيف، والقيادة تحت الضغط.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.
إقرأ المزيد


