جريدة الإتحاد - 5/28/2026 11:57:30 PM - GMT (+4 )
عُقد في قرطبة الأسبوع الماضي، بمبادرة من «مؤسسة الإكويني والعرب»، وبدعم من جامعة قرطبة، مؤتمر فلسفي رفيع المستوى حضره ثلة من كبار المتخصصين في الفلسفة العربية الإسلامية من عرب وعجم وبعض من طلبتهم من حملة الدكتوراه أو العاملين عليها، أو المستشرفين لها. فكان جمعاً فلسفياً انتظمت عناصرُه من أميركا وبريطانيا وإسبانيا والأردن وسويسرا والمكسيك والإمارات العربية المتحدة وفرنسا.
لقد كان لي شرف تمثيل مركز الدراسات الفلسفية، بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية، وهو المركز الذي أُسِّس للإشراف على الدراسات والبحوث العلمية الفلسفية، وتنظيم الدّورات والنّدوات والمؤتمرات المتعلقة بهذا المجال المعرفي الخصيب، وقد لقي التعريف بالمركز ترحيباً من المشاركين في المؤتمر، وتعبيراً عن رغبتهم في التعاون الفلسفي معه، خاصة الجانبين المكسيكي والإسباني. خالجني، وأنا أتابع عروض المؤتمر، وأناقش بعضاً من الحضور، شعور مزدوج من الإشفاق والاعتزاز.
شعور الإشفاق من هؤلاء الباحثين الذين أنفقوا زهرة حياتهم وهم يَدْرسون الفلسفة العربية الإسلامية، ويبحثون عن مخطوطاتها ساهرين الليالي الطّوال من أجل إخراج نقدي لمخطوط، وأحياناً ترجمته إلى غيرها من اللغات، خاصة مع غياب النّص العربي، كما وقع لريتشارد تايلور الذي عكف على «الشّرح الكبير لكتاب النّفس»، المفقود في لغته العربية، والذي عُثر على ترجمة لاتينية له، فعمل، بجهد الرّاهب، على دراسة هذا النَّص الرُّشدي دراسة عميقة ونقله إلى اللغة الإنجليزية.
ويبلغ الشعور بالإشفاق عُنْفُوانَهُ عندما تجد هؤلاء الباحثين يعانون مع اللغة العربية ويكابدون حروفها ومعانيها، وإنْ كانت علاقتهم بالنّص الفلسفي العربي تتم عن طريق التّرجمات التي عرفها هذا المتن إلى اللّغة اللاتينية والعبرية ثم إلى اللّغات الأجنبية المعاصرة.
وشعور الاعتزاز بأن يكون لهذا التراث الفلسفي العربي حظوة كبرى في الجامعات الغربية يتابع مساره شبابٌ، رهنوا حياتهم العلمية بدراسة الفلسفة العربية، شبابٌ يتألّق في عيونهم بريقٌ من التَّحدّي في التَّعامل مع نصوص كتبت بلغة عربية قديمة، ترْفُدُهم إرادةٌ قويّة إلى إنجاز أعمال على قدر كبير من الأكاديمية، وعزمٌ كبير على تخطّي الصُّعوبات التي تُناوئُهم وهم يعالجون النُّصوص الفلسفية العربية التراثية بمناهج علمية تكشف عمّا في هذه الفلسفة الإسلامية من عمق وغنى وحضور قوي داخل الإشكالات الكبرى للفلسفة المعاصرة.
لقد قدم الباحثون في هذا المؤتمر دروساً أحوج ما يكون العرب إليها: معالجة مواضيع فلسفية من داخل التراث العربي ما تزال تحظى براهنية أكبر، مثل عرض طريف عن «الحمل الكاذب». استعمال مناهج علمية، من داخل الحقل الفلسفي الحديث، لسبر أغوار هذه الفلسفة، مثل المنهج التحليلي. تجسيد الماضي في الحاضر، بحيث يصبح الاشتغال بالماضي الفلسفي اكتشافاً للذات وتهيئة عقلية لممارسة الفلسفة على المجرى الصناعي.
إذا كانت الجامعات الغربية تُهيِّئُ للفلسفة العربية فسائل فلسفية تَدْعَمُها بالتَّعهُّد العلمي والتَّشجيع الأكاديمي فترى شباباً في عمر الزهور يكابدون، تحت إشراف أساتذتهم من المستشرقين والمستعربين، دراسة النّصوص العربية والحَفْر فيها لاستخراج دُرَرِها، فما أحوج جامعاتنا إلى تقصّي هذا التّقليد العلمي، خاصة أنَّ التُّراثَ الفلسفي تراثنُا، ونحن أحقُّ بالاشتغال عليه من غيرنا، تنقيباً عن مخطوطاته وتسلُّحاً بالمنهج الفيلولوجي (علم دراسة اللغة من المصادر التاريخية الشفهية والمكتوبة) والكوديكولوجي (علم المخطوطات) لإنقاذ ما تبقَّى مما يوشك أن يندرس في خزائن الكتب العالمية، لولا العناية الخاصة التي يحظى بها.
إنَّنَا نتطلَّع إلى فسائل فلسفية إماراتية تأخذ على عاتقهما مهمة إحياء التُّراث الفلسفي العربي والحفاظ عليه، فسائل تبشِّرُ بمستقبل زاهر للدراسات الفلسفية العربية في الإمارات، لتصبح أبوظبي وجهة الفلسفة العربية الإسلامية في العالمين العربي والغربي، إن شاء الله.
*مدير مركز الدراسات الفلسفية بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.
إقرأ المزيد


